وهذا لا خلاف فيه، وأما غسله فاختلف الناس فيه. فأكثر الخلق على أنه واجب وليس فيه أثر [1] وإنما فيه أفعال غسل النبي، - صلى الله عليه وسلم -، وغُسِّل هو أيضًا مع طهارته، وهذا يدل على فرضيته [2] ، ولم يرد بلفظ الأمر إلا في حديث واحد هو قول النبي، - صلى الله عليه وسلم -، للنسوة اللاتي غسَّلنَ ابنته (إِغْسِلْنَهَا ثَلاثًا أوْ [3] خَمْسًا) الحديث.
قال علماؤنا: غسل الميت عبادة ليس لنجاسته، والدليل عليه قول النبي، - صلى الله عليه وسلم:"إِنَّ الْمُؤْمِنَ لَا يَنْجُسُ" [4] فذَكر الصفة في الحكم، وذِكر الصفة في الحكم تعليل كأنه قال لا ينجس لِإيمانه [5] .
قال القاضي [6] : الشديد [7] لو لم ينجس بالموت لما كان ما يبين عنه من أعضائه في حال الحياة نجسًا، قلنا: ليس للأبعاض حكم الجملة في حقيقة ولا شريعة فهذا اعتبار فاسد.
واختلف علماؤنا هل غسله للنظافة أو للعبادة- [8] ، والذي عندي أنه تعبُّد ونظافة، كالعدة عبادة وبراءة للرحم، وإزالة النجس [9] عبادة ونظافة، ولذلك يسرَّح رأسه تسريحًا خفيفًا، خِلافًا لأبى حنيفة [10] , لأن في تسريحه وصبِّ الماء عليه زيادة في النظافة، وكلما حقّق المقصود فهو مشروع، ويمضمض خلافًا لأبي حنيفة حين قال لا فائدة في مضمضته
(1) في (ك) و (م) أمر.
(2) قال الحافظ: الجمهور على وجوبه .. وقد توارد به القول والعمل وغسل الطاهر المطهر فكيف بمن سواه. فتح الباري 3/ 126.
(3) متفق عليه. البخاري في الجنائز باب غسل الميت ووضوئه 2/ 93، ومسلم في الجنائز باب غسل الميت 2/ 646، وأبو داود 3/ 503، والترمذي 3/ 315، والنسائي 4/ 28، وابن ماجه 1/ 468، والبغوي في شرح السنة 5/ 304 كلهم عن أم عطية الأنصارية.
(4) متفق عليه. البخاري في الغسل باب عرق الجنب وأن المسلم لا ينجس 1/ 79، ومسلم في الحيض باب الدليل على أن المسلم لا ينجس. انظر مسلم بشرح النووي 4/ 66، وأبوداود 1/ 59، والترمذي 1/ 207 - 208، والنسائي 1/ 45 - 146، وابن ماجه 1/ 178 كلهم عن أبي هريرة.
(5) انظر هذا المبحث في شرح التنقيح ص 389 - 390.
(6) القاضي هو الشارح نفسه.
(7) هذه العبارة في كل النسخ الشديد وأغلب الظن عندي أنها الشهيد.
(8) قال ابن رشد: قيل إنه فرض على الكفاية، وقيل سنة على الكفاية، والقولان كلاهما في المذهب, بداية المجتهد 1/ 226.
(9) في (م) النجاسة وفي (ك) النجاسات.
(10) انظر شرح فتح القدير لابن الهمام 1/ 451.