فهرس الكتاب

الصفحة 495 من 1211

الخاتمة. وقد قيل لرسول الله، - صلى الله عليه وسلم: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [1] ، فلم يبق للخشية وجه. وقد أجبنا عن هذا السؤال في الكتاب الكبير [2] ، وأقوى وجه فيه أن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، إن كان قد أَمِن العقاب فإنه كان يخشى من العتاب [3] ، هذا جواب أهل الإشارة [4] ، وقال سائر العلماء: إنما غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بشرط امتثاله لما أمر به واجتنابه لما نُهي عنه [5] .

(1) سورة الفتح آية (2) .

(2) الكتاب الكبير ذكره أيضًا في المسالك على موطأ مالك ك 295.

(3) هذا الكلام هنا هو عيب كلامه في المسالك ل 295 دون زيادة أو نقص، ويدل لقول الشارح قوله تعالى: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ} . [التوبة آية 43] وقوله: {عَبَسَ وَتَوَلَّى (1) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى} [سورة عبس آية 1،2] قال أبو جعفر النحاس: عفا الله عنك معناه قولان.

1 -أحدهما أنه افتتاح الكلام كما تقول أصلحك الله كان كذا وكذا.

2 -القول الآخر وهو أولى لأن المعنى عفا الله عنك ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم، ويدل على هذا {لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ} لأنه لا يقال: لم فعلت ما أمرتك به. والأصل أن يقال: لم فعلت لأحد فعل شيئًا لم يؤمر به. إعراب القرآن للنحاس 2/ 21.

وقال القرطبي: أخبره بالعفو قبل الذنب لئلا يطير قلبه فرقًا وقيل {عَفَا الله عَنْكَ} ما كان من ذنبك في أن أذنت لهم .. ونقل عن القشيري قوله: هذا عتابَ تلطف إذ قال: {عَفَا اللَّهُ عَنْكَ} وكان عليه السلام أذن من غير وحي نزل فيه. قال قتادة وعمرو بن ميمون: ثنتان فعلهما النبي، - صلى الله عليه وسلم -، ولم يؤمر بهما: أذنه لطائفة من المنافقين بالتخلف عنه ولم يكن له أن يمضي شيئًا إلا بوحي، وأخذه من الأسرى الفدية فعاتبه الله كما تسمعون.

قال بعض العلماء: إنما بدر منه ترك الأولى فقدم له العفو على الخطاب الذي هو صورة العتاب، القرطبي 8/ 155.

وقال في سورة عبس: هذه الآية عتاب من الله لنبيه، - صلى الله عليه وسلم -، في إعراضه وتوليه عن عبد الله بن أم مكتوم، ونظير هذه الآية في العتاب قوله في سورة الأنعام: {وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ} وكذلك في سورة الكهف: {وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} . القرطبي 19/ 212 - 214، وانظر زاد المسير 3/ 444، ومختصر تفسير ابن كثير 2/ 145، وتفسير أبي السعود 5/ 155.

(4) هذا ما يطلقه على أهل الصوفية.

(5) قال ابن كثير: هذا من خصائصه، - صلى الله عليه وسلم -، التي لا يشاركه فيها غيره. وليس حديث صحيح في ثواب الأعمال لغيره غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وهذا فيه تشريف عظيم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهو - صلى الله عليه وسلم - في جميع أموره على الطاعة والبر والاستقامة لم ينلها بشر سواه. مختصر تفسير ابن كثير 3/ 340.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت