والثاني: قضاء من أفطر ناسيًا. واختلف العلماء فيه فقالت جماعة: لا قضاء على من أفطر ناسيًا، واختاره (ش) [1] ونزع لقول النبي، - صلى الله عليه وسلم -، للسائل:"الله أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ" [2] .
قالوا: وهذا ينفي القضاء لأنه لم يتعرض له، وحمله علماؤنا على أن المراد به نفي الإثم عنه. فأما القضاء فلابد منه لأن صورة الصوم قد عدمت، وحقيقته بالأكل قد ذهبت، والشيء لا بقاء له مع ذهاب حقيقته كالحدث يبطل الطهارة سهوًا جاء أو عمدًا، وهذا الأصل العظيم لا يرده ظاهر محتمل للتأويل [3] وقد صحَّح الدارقطني أن النبي، - صلى الله عليه وسلم - قال له"الله أَطْعَمَكَ وَسَقَاكَ وَلَا قَضَاءٌ عَلَيْكَ" [4] . وهذه الزيادة إن صحَّت فالقول بها
(1) الذي عزاه الشارع إلى الإِمام الشافعي هو مذهب أكثر العلماء كما قال البغوي: (ذهب عامة أهل العلم إلى أنَّ الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا لصومه لا يفسد صومه غير ربيعة ومالك فإنهما أوجبا عليه القضاء) ، شرح السنة 6/ 292. وقال الحافظ: (ذهب الجمهور إلى عدم الوجوب، وعن مالك يبطل صومه ويجب عليه القضاء) . قال عياض: هذا هو المشهور عنه وهو قول شيخه ربيعة. فتح الباري 4/ 155.
(2) متفق عليه. البخاري في الصوم باب الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا. البخاري 3/ 40، ومسلم في الصوم باب أكل الناسي وشربه وجماعه لا يفطر 2/ 809، وشرح السنة 6/ 291 كلهم من حديث أبي هُرَيْرَة.
(3) قال الشارح في العارضة: تطلَّع مالك إلى هذه المسألة من طريقها فأشرف عليها فرأى في مطلعها أن عليه القضاء لأن الصوم عبارة عن الإمساك عن الأكل، فلا يوجد مع الأكل لأنه ضده، وإذا لم يبقَ ركنه وحقيقته ولم يوجد لم يكن ممتثلًا ولا قاضيًا ما عليه. ألا ترى أن مناقض شرط الصلاة، وهو الوضوء، الحدث إذا وجد سهوًا أو عمدًا أبطل الطهارة لأن الأضداد لا تجتمع مع أضدادها شرعًا ولا حسًا وليس لهذا الأصل معارض إلا الكلام في الصلاة .. إلا أن قال في تعليل ذلك: (لأن الكلام من محظوراتها وليس من أضدادها) ، العارضة 3/ 247.
ويظهر لي أن الشارح، رحمه الله، يميل إلى مذهب الجمهور من عدم وجوب القضاء حيث ختم كلامه بالحديث الذي ينفي القضاء وردّ على من تأوله من المالكية هنا - وفي (العارضة) - وإن كان قد علّق الأخذ به على صحة الحديث، وهو قد صحّحه ابن خزيمة 3/ 239، وابن حبان - موارد الظمآن ص (227) .. والحاكم في المستدرك 1/ 430 - فالشارح، رحمه الله، يظهر ميله لمذهب الجمهور وإن تطرق إلى القاعدة التي بني عليها مالك هذا الأصل في (العارضة) فهو يتطرق إلى ذلك في تذييل يذكر فيه تأويل قوله: (فَلاَ يفطر) بأنه لم تسقط مع أكله حرمة الصوم وإن انعدمت حقيقته.
(4) سنن الدارقطني 2/ 179 من طريق محمَّد بن عيسى الطباع عن ابن علية عن هشام عن ابن سيرين عن أبي هريرة ولفظه"إنَّمَا هُوَ رِزْق سَاقَهُ الله وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ"، وقال: إسناده صحيح وكلهم ثقات وروى الدارقطني إسقاط القضاء من رواية أبي رافع وأبي سعيد المقبري والوليد بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار، كلهم عن أبي هُريرة .. وأخرج أيضًا من حديث أبي سعيد رفعه"مَنْ أكَلَ في شَهْرِ رَمَضَانَ نَاسِيًا فَلاَ قَضَاء عَلَيْهِ".. وقد ذكر الحافظ أنه في صحيح مسلم- ص 1155 - بدون الزيادة، أي ففيها شائبة شذوذ .. =