الأصول وحمل الفروع عليها بعد ذلك، وقد أشرنا إِليه في قانون التأويل. وقال (ش) : وجه الجمع بين هذه الأحاديث أن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، أفرد الحج فعلًا وغيره بما نسب إليه إنه فعله إنما معناه أمر به، والآمر تعدُّه العرب فاعلًا وتخبر به عن الفعل، تقول: رجم الحاكم الزاني، وقطع اللص لما أمر وإن كان لم يتناول ذلك [1] . وهذا التأويل، وإن حسن في مواضع فليس هذا منها لأن ظواهر الأحاديث المتقدمة تدفعه فتأملوها. وقال غيره: كان أمر النبي، - صلى الله عليه وسلم -، في إحرامه موقوفًا حتى يبين الله له كيف يكون فيه، وروى في ذلك أثرًا [2] . واتقن علماؤنا المتأخرون الجواب فقالوا: إن النبي، - صلى الله عليه وسلم -، لما أمره الله تعالى بالحج وأحرم انتظر الوحي بكيفية الالتزام وصورة التلبية فلم ينزل عليه شيء فاعتمد ظاهر ما، أمر به فقال:"لَبيْكَ اللهم لَبيْكَ بِحِجَّةٍ" [3] فسمعه جابر وعائشة فسمعا الحقَّ ونقلا الحقَّ، وانتظر النبي، - صلى الله عليه وسلم -، أن يقرَّ على ذلك أو يبين له فيه شيء فلم يكن فقال: لَبيْكَ بِحِجَّةٍ وَعُمْرَةٍ، فسمعه أنس وهو تحت راحلته حين قال: ما تعدوننا إلا صبيانًا؛ لقد سمعت رسول الله، - صلى الله عليه وسلم -، يصرخ بهما جميعًا لبيك بحجة وعمرة معًا [4] ، فسمع الحقَّ ونقل الحقَّ، وسار النبيُّ، - صلى الله عليه وسلم -، على هذه الحالة حتى نزل بالعقيق فنزل عليه جبريل وقال له: (صَلَّ في هذَا الْوادي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةٌ في حِجَّةٍ) [5] ، فكشف له قناع البيان عن القرآن واستمر عليه والتزم من ذلك ما التزمه وخرج حتى دخل مكة فأمر أصحابه أن يفسخوا الحج إلى العمرة فقالوا له: كَيْفَ نفْعَلُ ذلِكَ وَقَدْ أهْلَلنا بِالْحِجَّ؟ قَالَ لَهُمْ: إِفْعَلُوا مَا أمرْتُكُمْ بِهِ، فَلَوْلَا أَنَّ مَعِيَ الْهَدْيَ لأحْلَلْتَ كَمَا تَحِلُّونَ،
(1) انظر اختلاف الحديث المطبوع بهامش الأم 7/ 408 - 410 وشرح السنة 7/ 88.
(2) رواه الشافعي عن سفيان عن ابن طاوس وإبراهيم بن ميسرة أنهما سمعا طاوسا يقول خرج النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يسمي حجًا ولا عمرة ينتظر القضاء قال فنزل عليه القضاء وهو يطوف بين الصفا والمروة وأمر أصحابه أن من كان منهم من أهل بالحج ولم يكن معه هدي أن يجعلها عمرة فقال (لو اسقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي) مسند الشافعي 1/ 372 ومن طريق الشافعي رواه البيهقي في السنن الكبرى 5/ 6 وقال النووي ظاهر الأحاديث الصحيحة كلها أن النبي- صلى الله عليه وسلم - لم يحرم إحرامًا مطلقًا بل معينًا وقد قال الشيخ أبو حامد في تعليقه وصاحب البيان وآخرون من أصحابنا المشهور في الأحاديث خلاف ما قاله الشافعي في هذا وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أحرم هو وأصحابه بالحج فلما دخل مكة فسخه إلى العمرة لمن لم يكن معه هدي المجموع للنووي 7/ 166.
درجة الحديث مرسل صحيح. صححه النووي في المجموع 7/ 166.
(3) تقدم.
(4) تقدم.
(5) تقدم.