فهرس الكتاب

الصفحة 124 من 133

النصارى ثم استلبوا ملك بني عباد وسيطروا على الأندلس وضموها لمملكتهم، وأنه أولى له يصالح النصارى ويرضيهم من أن يعرض ملكه للزوال على يد المرابطين وإن كانوا مسلمين .. فسمع من الحاضرين ثم قال لهم أتفكر الليلة وأرى أمري .. ثم جمعهم في اليوم التالي فقالوا له ما رأيت أيها الأمير، قال تفكرت في أمرنا ورأيت أنه"رعي الإبل ولا رعي الخنازير"وذهبت من بعده هذه الكلمة مثلًا، قال رعي الإبل ولا رعي الخنازير، أي لئن يأخذني المرابطون عبدًا إن سلبوا ملكي فأقصى ما يصيبني أن أرعى الإبل عبدًا عند المسلمين، ولا يأخذني النصارى إن سلبوا ملكي فأكون عبدًا عندهم أرعى الخنازير لأهل الصليب .. فالعقل والدين فعلا أن يكون رعي الإبل أولى من رعي الخنازير. [1]

(1) - أصاب المسلمين في الأَنْدَلُس أضرار جسيمة بسبب خنوع ملوك الطوائف للنصارى وضعفهم في الحكم، مما عرض ممالك الأَنْدَلُس لأطماع النصارى الحاقدين الذين جاسوا خلال الديار في الأَنْدَلُس يقتلون ويذبحون ويسبون، وأصبحت ممالك الأَنْدَلُس الإسلامية تتساقط في أيديهم مدينة بعد مدينة، وقرية إثر قرية، وحصنًا خلف حصن، وركب المسلمين فزع عظيم فاضطرَّ ملوك الطوائف أن يطلبوا الغوث والنصر مِن الأمير الربانى والقائد الميدانى يوسف بن تاشفين، وكان قرار حُكَّام الأَنْدَلُس في استدعاء يوسف حكيمًا وتبَّناه الملك المعتمد ابن عباد بكل ما يملك من حجة وقوة، ولما قالوا للمعتمد سيضم الأمير يوسف إليه الأَنْدَلُس، فقال قولته المشهورة التى أصبحت مثلًا رائعًا على مرِّ العصور وكرِّ الدهور تتعلم منه الأجيال الوفاء لدينها والولاء لعقيدتها حيث قال: «رعى الإبل ولا رعى الخنازير» ، وقال المعتمد لابنه: إن استدعاء الأمير يوسف أمر يرضى الله تعالى، ولن أكون أبدًا سببًا في ضياع ديار المسلمين.

استجاب الأمير يوسف لدعوة إخوانه في العقيدة، وعرض الأمر على أهل مشورته؛ وتحصل على موافقة العلماء والفقهاء ورجال الدولة المرابطية، وحرك كتائب المرابطين بفرسانها الشجعان وجنودها الأبطال وعبر المضيق، وقاد الأمير يوسف كتائب المسلمين في الأَنْدَلُس، ووضع مع أركان جيشه خطة محكمة للقضاء على جيش ألفونسو النصراني، وسطر المرابطون في تاريخ أمتنا ملاحم العقيدة والفداء في معركة الزِّلاقَة، وانتصر المسلمون وانهزم النصارى وحفظ الله الإسلام في الأَنْدَلُس لقرون بعد تلك المعركة التاريخية، وبعد هذا النصر الرائع والنفيس الذى حققه المرابطون ورفعوا به راية الإسلام في سماء الأَنْدَلُس رجع الأمير يوسف إلى المغرب، وترك الغنائم لملوك الأَنْدَلُس الذين اختلفوا بعد ذلك وكادوا أن يضيعوا الإسلام من جديد في تلك الديار، فطلب فقهاء الأَنْدَلُس مِن الأمير يوسف ضم الأَنْدَلُس لحكم المرابطين، وشجَّعه علماء وفقهاء المغرب وتحصل على فتاوى من علماء المشرق من أمثال أبى بكر الطرطوشى في مصر، وأبى حامد الغزالى في العراق.

استطاع يوسف بن تاشفين أن يفتح مدن الأَنْدَلُس، وأن يضم الممالك إلى دولة المرابطين، وأسر بعض ملوك الأَنْدَلُس الذين ثبت تعاونهم مع النصارى، ووضعهم في المغرب إلى أن توفاهم الله، وبذلك قضى على مهزلة ملوك الطوائف.

حاول المستشرقون أن يُلطِّخوا دولة المرابطين، وخصوصًا الأمير يوسف إلا أنَهم اصطدموا بحقائق التاريخ الناصعة التى دلَّت على عظمة الأمير يوسف ودولته الميمونة، وحاول المستشرق رينهارت دوزى أن يشوِّه دولة المرابطين ويصفها بالبربرية والتخلف، ويصف السلطان على بن يوسف بالرجل التافه، ويمدح ملوك الطوائف في الأَنْدَلُس الذين تحالفوا مع النصارى للقضاء على الإسلام والمسلمين، وشنَّ حملة مسعورة على جهاد المرابطين الذين حقَّقوا وحدة صفوف المسلمين، وهزموا أعداءهم النصارى، وخلصوا المسلمين من هؤلاء الملوك الضعفاء، لقد شتم دوزى المستشرق الأمير يوسف، ووصفه هو وابنه بأنَّهم تافهون، وأنا لا أستغرب من دوزى المستشرق أن يفقد توازنه، ويخرج عن نهج المؤرخين النزيه، لقد كان المستشرق دوزى ملحدًا زنديقًا عدوًا للإسلام والمسلمين، كيف تريده أن يتحمل شعارات المرابطين الدالة على سمو عقيدتهم وطهارة منهجهم، وكأنى بالمستشرق دوزى وهو يقلب الدينار المرابطى والمكتوب على وجهيه «لا إله إلا الله مُحَمَّد رسول الله» {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِى الآَخِرَةِ مِن الخَاسِرِينَ} ، وقد اشتاط غضبًا وفقد عقله وغرق في كفره، فأباح لنفسه الكذب والافتراء والزور ليهدئ من روعه وانفعاله، كيف يكون تافهًا من يوحد المغرب الأقصى ويضم إليه الأَنْدَلُس ويقضى على ملوك الطوائف؟ لقد وصف المؤرخون المنصفون الأمير يوسف بأنه كان حازمًا ضابطًا للنفس ماضى العزيمة عالى الهمة، تحركه عقيدته الإسلامية وشريعته الربانية، أمَّا دولة المرابطين فقد أثبت التاريخ أنَّها دولة حضارة وعلم وثقافة، أمَّا ما قام به أعداؤها في وصفها بالتخلف الحضارى والتعصب المذهبى فهو قول باطل لا تسعفه الأدلة، عارٍ مِن الحقائق، وما كان دافع خصومهم مِن المُوَحِّدِين والأَنْدَلُسيين الذين حملوا عليهم حملة ظالمة إلا من باب التعصب الدينى أو المذهبي، أو كراهية سياسية أو قومية حاولوا النيل من دولة المرابطين السنية، وتابع أولئك الأقوام الذين مضوا بعض المستشرقين المُحَدثين أمثال المتعالم الحاقد الهولندى راينهارت دوزى، وتابعه على ذلك نفر مِن المعاصرين أمثال ارشيبالد لويس في كتابه «القوى البحرية والتجارية في حوض البحر المتوسط» .

يُعتبر ضم الأَنْدَلُس إلى دولة المرابطين من أعظم أعمال الأمير يوسف بن تاشفين الجهادية.

كانت نظرة دولة المرابطين إلى الخلافة الإسلامية العباسية في بغداد صائبة صحيحة، لكونها منبثقة من منهج أهل السنة والجماعة، ولذلك بايعوا الخليفة العبَّاسي، ورفعوا أعلامه وشعاره، ودعوا له على منابرهم.

كانت علاقة الدولة المرابطية بالخلافة العبيدية في مصر عدائية لاختلاف العقائد والمناهج والمذاهب، ولذلك حرص المرابطون على اقتلاع بقايا الرفض والتشيع من دولتهم.

كانت علاقة دولة المرابطين بالدولة الزيرية الصنهاجية ذات أبعاد استراتيجية تعاونية، بسبب وحدة المنهج والمعتقد والمذهب والقرابة التى بين زعماء الدولتين، ولذلك نجد تنسيقًا في البحر المتوسط للإغارة على أساطيل النصارى، ونجد دعمًا اقتصاديًا في دولة تميم بن المعز الزيرى لدولة المرابطين عندما خاضوا جهادهم المقدس ضد النصارى.

أما علاقة بنى حمَّاد بالمرابطين فهى محفوفة بالتخوف مِن الطرفين، حيث نجد أن لبنى حمَّاد أطماعًا توسُّعية تستهدف أطرافًا من دولة المرابطين، كما نجد أن المعارضين الأَنْدَلُسيين للمرابطين استقرُّوا في حماية بنى حمَّاد، إلا أن سياسة الأمير يوسف مع بنى حمَّاد تميَّزت بالحكمة وبعد النظر، والابتعاد عن الصدام، مراعيًا في ذلك أمورًا عديدة: منها قرابتهم، واتحادهم في المنهج والمعتقد والمذهب.

كانت علاقة المرابطين مع ملوك النصارى عدائية، أما مع أهل الذِّمة فكانت محكومة بحكم الشريعة فيهم، فقامت على العدل والإنصاف. فقه التمكين عند دولة المرابطين - (ج 1 / ص 243) فما بعدها

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت