ارتضاه القاضي أبو بكر وهو المنقول عن شيخنا أبي الحسن، وهو أن الإمامة تثبت بمبايعة رجل واحد من أهل الحل والعقد] لكنه يشترط ما ذكرناه من حصول الشوكة فيقول إضافة إلى ما سبق: [إن بايع رجل واحد مرموق كثير الأتباع والأشياع، مطاع في قومه، وكانت بيعته تفيد ما أشرنا إليه انعقدت الإمامة] [1]
ويلاحظ أن هناك فرقًا بين ما ذهب إليه الأشعري وأتباعه وما ذهب إليه الشافعية، وهو أن جمهور الشافعية تشترط لانعقادها بواحد أن لا يكون ثمة غيره ممن يمكن أن يوصف بصفات أهل الحل والعقد، أما الأشعرية فلا تشترط ذلك، وإنما تكتفي بواحد من أهل الحل والعقد [2]
وعند النظر في هذه الأقوال والآراء نجدها مرجوحة لما يلي:
1 -قياس عدد أهل الحل والعقد على عدد من تصح بهم الجمعة أو الشهود، أو النكاح أو غيرها غير مسلم به، لأنه قياس مع الفارق، ولا يصح انفراد عدد قليل بالبتِّ في أمر يهم الأمة كلها، اللهم إلا إذا قلَّ أفراد جماعة أهل الحل والعقد فحينئذ تكون الضرورة هي الملجئة إلى القول
بانعقاد الإمامة بالعدد القليل. (ولأنه ليس قول من قال: تنعقد باثنين بأولى من قول من قال: تنعقد بأربعة، ولا قول من قال: تنعقد بأربعة بأولى من قول: من قال: تنعقد بالجماعة ... ) [3]
2 -أما الاحتجاج ببيعة أبي بكر وعمر رضي الله تعالى عنهما فلا يصح، لأن بيعة أبي بكر لم تنعقد ببيعة الخمسة الذين ذكروهم فقط، وإنما تمت بمبايعة كبار المهاجرين والأنصار كما مرّ معنا في حديث السقيفة، قال ابن تيمية عند قول الرافضي: إنهم يقولون: الإمام بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أبو بكر بمبايعة عمر برضا أربعة قال: فيقال له: (ليس هذا قول أئمة السنة وإن كان بعض أهل الكلام يقولون: إن الإمامة تنعقد ببيعة أربعة كما قال بعضهم: تنعقد ببيعة اثنين، وقال بعضهم: تنعقد ببيعة واحد، فليست هذه أقوال أئمة السنة، بل الإمامة عندهم تثبت بموافقة أهل الشوكة عليها، ولا يصير الرجل إمامًا حتى يوافقه أهل الشوكة الذين يحصل بطاعتهم له مقصود الإمامة) . إلى أن قال: (ولو قُدِّر أن عمر وطائفة معه بايعوه - أي أبا بكر - وامتنع الصحابة عن البيعة لم يصر إمامًا بذلك، وإنما صار إمامًا بمبايعة جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة) [4] . أ. هـ.
3 -وكذلك فعل عمر في حصر الخلافة في الستة الذين اختارهم فنقول هذا ليس حصرًا لعدد أهل الحل والعقد الذين يختارون، وإنما لمن يختار منهم، فهم جميعًا مرشحون للخلافة ويختار أحدهم، يدلّ على ذلك ما مرّ معنا أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه بقي ثلاثًا لا تغتمض عينه بكثير نوم وهو يشاور كبار المهاجرين والأنصار، قال ابن تيمية: (عثمان لم يصر إمامًا باختيار بعضهم - أي بعض الستة - بل بمبايعة الناس له، وجميع المسلمين بايعوا عثمان لم يتخلف عن
(1) - الغياثي:72
(2) - لزيادة الإيضاح يراجع كتاب رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي (ص 268)
(3) - المعتمد في أصول الدين لأبي يعلى (ص 239)
(4) - منهاج السنة (1/ 141)