بيعته أحد) [1] . وقد مرّ معنا قول الإمام أحمد في ذلك عند الكلام على مبايعة عثمان رضي الله تعالى عنه.
4 -أما الاستدلال على صحة بيعة الواحد بمبادرة عمر في بيعة أبي بكر ثم تبعه الصحابة ووافقوه على ذلك فلا يصح، لأن سبب إتباعهم له هو رضاهم بما ذهب إليه، لا أنه قد ألزمتهم مبايعته إتباعه، وإلا لو فرض أنه لم يبايع غير عمر لما ثبتت إمامة أبي بكر خصوصًا وهو القائل: (مَنْ بَايَعَ رَجُلا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَإِنَّهُ لاَ يُبَايَعُ لاَ هُوَ وَلاَ مَنْ بُويِعَ لَهُ تَغِرَّةَ أَنْ يُقْتَلَ) [2] .
أما كون عمر هو السابق إلى البيعة ففي كل بيعة لا بد من سابق، كما قال ابن تيمية [3]
5 -أما الاستدلال على صحة بيعة واحدة بأن العباس قال لعلي بن أبي طالب بعد موت النبي: امدد يدك أبايعك، فيقول الناس عم رسول الله بايع ابن أخيه ... إلخ فلا يصح لأمور منها:
أ- لم يصح نسبة هذا القول إلى العباس رضي الله تعالى عنه [4]
ب- ولو فرض صحته فإنه لم يتم ولم يفعله.
جـ- ولو فعله فلا يكون ذلك إلا تحبيبًا وتشجيعًا لغيره في المبايعة وتكون مبادرة منه لعلهم يتابعونه على ذلك.
6 -وأما ما ذهب إليه جمهور الشافعية من انعقاد الإمامة بالواحد إذا انحصر فيه أهل الحل والعقد فكما قال د. محمد رأفت عثمان: (لم يحصل في عصر من العصور انحصار الحل والعقد في واحد، ويندر أن يحصل ذلك) [5] . والنادر لا حكم له.
7 -ومما يدل على أنها لا تنعقد بالواحد ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
فعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ خَطَبَنَا عُمَرُ بِالْجَابِيَةِ فَقَالَ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّى قُمْتُ فِيكُمْ كَمَقَامِ رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِينَا فَقَالَ «أُوصِيكُمْ بِأَصْحَابِى ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ يَفْشُو الْكَذِبُ حَتَّى يَحْلِفَ الرَّجُلُ وَلاَ يُسْتَحْلَفُ وَيَشْهَدَ الشَّاهِدُ وَلاَ يُسْتَشْهَدُ أَلاَ لاَ يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ إِلاَّ كَانَ ثَالِثَهُمَا الشَّيْطَانُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ مَعَ الْوَاحِدِ وَهُوَ مِنَ الاِثْنَيْنِ أَبْعَدُ مَنْ أَرَادَ بُحْبُوحَةَ الْجَنَّةِ فَلْيَلْزَمِ الْجَمَاعَةَ مَنْ سَرَّتْهُ حَسَنَتُهُ وَسَاءَتْهُ سَيِّئَتُهُ فَذَلِكَ الْمُؤْمِنُ» . رواه الترمذي (2318) وقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وهو كما قال ... [6]
(1) - منهاج السنة (1/ 142)
(2) - أخرجه عبد الرزاق برقم (9760و9777) والبزار برقم (194) وابن حبان برقم (414) وهو صحيح موقوف
(3) - منهاج السنة (1/ 142)
(4) - وجدت عند ابن في الطبقات لفظًا قريبًا من هذا المعنى وهو: .... قال العباس لعلي، قم حتى أبايعك ومن حضر، فإن هذا الأمر إذا كان لم يُرَدّ مثله، والأمر في أيدينا ... إلخ الطبقات الكبرى (2/ 246) لكن في إسناده محمد بن عمر وهو الواقدي. وعلماء الجرح والتعديل يضعفون روايته. انظر: تهذيب التهذيب (9/ 369) . قال الذهبي: استقر الإجماع على توهين الواقدي ميزان الاعتدال (3/ 666) ، ومع ذلك فهو إمام التأريخ والسير والأخبار. انظر: ميزان الاعتدال (3/ 663) .
(5) - رئاسة الدولة في الفقه الإسلامي (ص 273)
(6) - والإبانة برقم (114) والسنن الكبرى للنسائي برقم (9181) والسنة لابن أبي عاصم برقم (75) وانظر كتاب الإمامة العظمى عند أهل السنة والجماعة - (ج 1 / ص 58)