فهرس الكتاب

الصفحة 47 من 133

الحادي عشر - المعتبر هو بيعة جمهور أهل الحل والعقد الذين بهم يتحقق حصول الشوكة والقوة والعصبية

فقد ذهب أصحاب المذهب إلى الاعتدال في تحديد أهل الحل والعقد، فلم يشترطوا الإجماع كما قال أصحاب المذهب الأول، ولم يشترطوا عددًا معينًا كما قال أصحاب المذهب الثاني، وإنما اشترطوا جمهور أهل الحل والعقد والأغلبية الذين هم أهل الشوكة، والذين بمبايعتهم واختيارهم للإمام يحصل مقصود الإمامة وطبقًا لهذا الاتجاه لا يؤدي تخلف بعضهم إلى الطعن في صحة الاختيار، كما لا يؤدي موافقة القلة أن تعطي للخليفة السند الشرعي للسلطة، لأن تخلف القلة لا يؤثر في مقصود الولاية، وموافقة القلة ليس من شأنه أن يحققها، وإنما العبرة بموافقة الأغلبية (الجمهور) لأنه بموافقتهم يتحقق المقصود من السلطة العامة الممثلة في الخليفة [1] .

قال الماوردي: (قالت طائفة لا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد من كل بلد، ليكون الرضا به عامًا والتسليم لإمامته إجماعًا) [2] . وممن ذهب إلى هذا القول أبو يعلى في الأحكام السلطانية فقال: (أما انعقادها باختيار أهل الحل والعقد فلا تنعقد إلا بجمهور أهل الحل والعقد، قال أحمد في رواية إسحاق بن إبراهيم(الإمام الذي يجتمع قول أهل الحل والعقد [3] . عليه كلهم يقول هذا إمام) ، قال: وظاهر هذا أنها تنعقد بجماعتهم) [4] .

وذهب إلى ذلك أيضًا شيخ الإسلام بن تيمية رحمه الله حيث قال: (وإنما صار إمامًا - أي أبو بكر رضي الله تعالى عنه - بمبايعته جمهور الصحابة الذين هم أهل القدرة والشوكة، ولهذا لم يضر تخلف سعد بن عبادة رضي الله تعالى عنه [5] ، لأن ذلك لا يقدح في مقصود الولاية، فإن المقصود حصول القدرة والسلطان اللذين بهما تحصل مصالح الإمامة، وذلك قد حصل بموافقة الجمهور على ذلك، فمن قال يصير

(1) - انظر: طرق اختيار الخليفة د. النادي (ص 192) .

(2) - الأحكام السلطانية (ص 7)

(3) - الرواية السابقة بنفس العبرة إلا أنه بدل (أهل الحل والعقد) جعل (المسلمون) وفي هذه الرواية جعل الناشر (أهل الحل والعقد) بين قوسين ثم علَّق عليها في الحاشية بقوله بياض بالأصل. ولا أدري من أين أتى بها!.

(4) - الأحكام السلطانية لأبي يعلى (ص 23)

(5) -هناك روايات أخر تذكر تراجع سعد رضي الله عنه فقد روى الإمام أحمد في مسند الصديق عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ تُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- وَأَبُو بَكْرٍ فِى طَائِفَةٍ مِنَ الْمَدِينَةِ.

قَالَ فَجَاءَ فَكَشَفَ عَنْ وَجْهِهِ فَقَبَّلَهُ وَقَالَ فِدَاكَ أَبِى وَأُمِّى مَا أَطْيَبَكَ حَياًّ وَمَيِّتًا مَاتَ مُحَمَّدٌ -صلى الله عليه وسلم- وَرَبِّ الْكَعْبَةِ. فَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ فَانْطَلَقَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَتَقَاوَدَانِ حَتَّى أَتَوْهُمْ فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَتْرُكْ شَيْئًا أُنْزِلَ فِى الأَنْصَارِ وَلاَ ذَكَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- مِنْ شَانِهِمْ إِلاَّ وَذَكَرَهُ وَقَالَ وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ «لَوْ سَلَكَ النَّاسُ وَادِيًا وَسَلَكَتِ الأَنْصَارُ وَادِيًا سَلَكْتُ وَادِىَ الأَنْصَارِ» . وَلَقَدْ عَلِمْتَ يَا سَعْدُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- قَالَ وَأَنْتَ قَاعِدٌ «قُرَيْشٌ وُلاَةُ هَذَا الأَمْرِ فَبَرُّ النَّاسِ تَبَعٌ لِبَرِّهِمْ وَفَاجِرُهُمْ تَبَعٌ لِفَاجِرِهِمْ» . قَالَ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ صَدَقْتَ نَحْنُ الْوُزَرَاءُ وَأَنْتُمُ الأُمَرَاءُ. {1/ 6} تعليق شعيب الأرنؤوط: صحيح لغيره رجاله ثقات رجال الشيخين وهو مرسل

قال شيخ الإسلام ابن تيمية: فهذا مرسل حسن ولعل حميدًا أخذه من بعض الصحابة الذين شهدوا ذلك ... قال: وفيه فائدة جليلة جدًا، وهي أن سعد بن عبادة نزل عن مقامه الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالإمارة فرضي الله عنهم أجمعين. منهاج السنة (1/ 143) ، أما أحمد شاكر فقد ضعف هذا الحديث لانقاطعه قال: فإن حميد بن عبد الرحمن الحميري التابعي الثقة يروي عن أمثال أبي هريرة وأبي بكرة وابن عمر وابن عباس ... ولم يصرح هنا بمن حدثه هذا الحديث، وظاهر أنه لم يدرك وفاة الرسول وحديث السقفية (1/ 164) . وقال الهيثمي: رجاله ثقات إلا أن حميد بن عبد الرحمن لم يدرك أبا بكر. انظر: مجمع الزوائد (5/ 191) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت