فهرس الكتاب

الصفحة 56 من 133

أسعد بن زرارة، لا تذر هذه البيعة ولا نستقيلها، فقمنا إليه رجلا رجلا يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك الجنة [1]

يظهر من كلام جابر أن الطائفة التي ناصرت النبي صلى الله عليه وسلم من أهل يثرب وبايعته على إقامة الإسلام وموالاة دعوته كانت لا تتجاوز السبعين رجلًا، وتحققت بهذه الطائفة صفة الغلبة والشوكة لكونها تحمل السلاح وقد تعهدت بالقتال والدفاع عن النبي صلى الله عليه وسلم من أعداء الدعوة، فتم الأمر للنبي صلى الله عليه وسلم في المدينة لحصول الشوكة له فيها بهذه الطائفة من أهالي يثرب، مع ملاحظة أنهم لم يكونوا من الوجهاء المعروفين في أغلبهم، فقد قال العباس عنهم وهو الخبير بأهل يثرب وزعمائها: يا ابن أخي ما أدري ما هؤلاء القوم الذين جاؤوك؟ إني ذو معرفة بأهل يثرب، ... فلما نظر العباس في وجوهنا قال: هؤلاء قوم لا نعرفهم، هؤلاء أحداث!، فليس شرطا أن تكون القوة والغلبة في أناس معينين، ولا وجهاء معروفين فالطائفة التي أقامت الدولة الإسلامية الأولى كان معظمها من الأحداث الغير معروفين كما قال العباس للنبي صلى الله عليه وسلم.

والمجاهدون في العراق اليوم يسيطرون على بقاع من الأرض هي بفضل الله أضعاف أضعاف البقعة التي أقام عليها النبي صلى الله عليه وسلم دولته الأولى، فالمناط الشرعي في قيام الدولة متحقق لوجود المعنى الذي قامت بها الدولة الأولى، وهو التمكين على بقاع هي أكبر من تلك التي ترعرعت عليها الدولة الأولى.

قال السرخسي في المبسوط [2] :

(( وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ رَحِمَهُمَا اللَّهُ تَعَالَى إذَا أَظْهَرُوا أَحْكَامَ الشِّرْكِ فِيهَا فَقَدْ صَارَتْ دَارُهُمْ دَارَ حَرْبٍ؛ لِأَنَّ الْبُقْعَةَ إنَّمَا تُنْسَبُ إلَيْنَا أَوْ إلَيْهِمْ بِاعْتِبَارِ الْقُوَّةِ وَالْغَلَبَةِ، فَكُلُّ مَوْضِعٍ ظَهَرَ فِيهِ حُكْمُ الشِّرْكِ فَالْقُوَّةُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ لِلْمُشْرِكِينَ فَكَانَتْ دَارَ حَرْبٍ، وَكُلُّ مَوْضِعٍ كَانَ الظَّاهِرُ فِيهِ حُكْمُ الْإِسْلَامِ فَالْقُوَّةُ فِيهِ لِلْمُسْلِمِينَ ) )

فدلّ هذا على أن مناط الحكم على الدار هو اليد الغالبة عليها والأحكام تبع لها، فإن الكافر يحكم بأحكام الكفار والمسلم يحكم بأحكام الإسلام وإلا كان كافرًا، وفي بيان هذا المناط

قال ابن حزم رحمه الله [3] :

(( لأَنَّ الدَّارَ إنَّمَا تُنْسَبُ لِلْغَالِبِ عَلَيْهَا، وَالْحَاكِمُ فِيهَا، وَالْمَالِكُ لَهَا ) ).بالإضافة إلى أنه لا يوجد نص شرعي من الكتاب أو السنة يضع حدًا مقدّرًا لمساحة الأرض التي ينبغي أن تقام عليها الدولة المسلمة، ولا وجود لأي تكييف آخر سوى ما ذكرناه من الأوصاف التي مردها لحقيقة التمكين وظهور شوكة الشريعة، وكل من حدَّ حدًا لذلك أو نصب مقدارًا أو مساحةً أو وصفًا زائدًا على ما ذكرنا فقد ابتدع

(1) - أخرجه الأزرقي في أخبار مكة برقم (973) وابن حبان في صحيحه برقم (6380 و7138) والبيهقي في دلائل النبوة برقم (704) وهو حديث حسن

-اللبث: الإبطاء والتأخير والانتظار والإقامة = أوى وآوى: ضم وانضم، وجمع، حمى، ورجع، ورَدَّ، ولجأ، واعتصم، ووَارَى، وأسكن، ويستخدم كل من الفعلين لازما ومتعديا ويعطي كل منهما معنى الآخر = الرهط: الجماعة من الرجال دون العشرة = اللوم: العَذَل والتعنيف = المطي: جمع مطية وهي الدابة التي يركب مطاها أي ظهرها، أو هي التي تمط في سيرها أي تمدُّ = عض: قطع واستأصل

(2) - (10/ 114) و المبسوط - (ج 12 / ص 258)

(3) - المحلى (11/ 200)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت