فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 860

[حديث: ما مِن أحد يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله]

128# وبه قال: (حدثنا إسحاق بن إبراهيم) : المشهور بابن راهويه (قال: حدثنا) : وفي رواية: أخبرنا (مُعاذ) ؛ بضم الميم (ابن هِشَام) ؛ بكسر الهاء وفتح المعجمة المخففة: ابن أبي عبد الله الدَّستُوائي؛ بفتح الدال، وضم الفوقية، آخره همزة، المتوفى بالبصرة سنة مئتين (قال: حدثني) ؛ بالإفراد (أبي) هشام المذكور، (عن قتادة) : هو ابن دعامة (قال: حدثنا أنس بن مالك) رضي الله عنه: (أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ومُعاذ) ؛ بضم الميم؛ أي: ابن جبل الصحابي المشهور، وهو بالرفع مبتدأ.

وقوله: (رديفه) ؛ أي: راكب خلفه، خبر المبتدأ (على الرَّحْل) ؛ بفتح الراء وسكون الحاء المهملتين، وهو للبعير أصغر من القتب، وهو من مراكب الرجال دون النساء، والقتب _محرك_: رحل صغير على قدر السنام، وعند المؤلف في (الجهاد) : أن معاذًا كان رديفه عليه السلام على حمار، ولعل القصة متعددة، والمراد بالرحل هنا: ما يتخذ لدفع البرد من اللباد الصوف المسمَّى بالكوبان.

(قال) عليه السلام: (يا معاذ بن جبل) : يجوز في (معاذ) : النصب على أنه مع ما بعده كاسم واحد مركب، والمنادى المضاف منصوب، أو الرفع على أنه منادى مفرد علم، وأما (ابن) ؛ فهو منصوب بلا خلاف، وتمامه في «عمدة القاري» .

(قال) ؛ أي: معاذ: (لَبيك يا رسول الله) ؛ بفتح اللام، تثنية لَبَّ؛ ومعناه: الإجابة؛ أي: أجيبك إجابة بعد إجابة، فالتثنية للتأكيد، وتمامه في «عمدة القاري» َ، (وسعديك) ؛ بفتح السين المهملة، تثنية سعد؛ والمعنى: إسعادًا بعد إسعاد لطاعتك، فثنى للتأكيد، وهما من المصادر التي يجب حذف فعلها ونصبها، وقال الفراء: نصبت على المصدر.

(ثلاثًا) : يتعلق بقول كل واحد من النبي الأعظم عليه السلام ومعاذ؛ أي: ثلاث مرات؛ يعني: النداء والإجابة، قيل: ثلاثًا، وصرح بذلك في رواية مسلم، وتمامه في «عمدة القاري» ، (قال) عليه السلام: (ما من أحد) : فـ (ما) للنفي، و (من) : زائدة للتأكيد، و (أحد) : اسم (ما) .

وقوله: (يشهد) : خبرها (أن) مفسرة (لا إله إلا الله وأنَّ محمدًا رسول الله صدقًا) ؛ بالنصب على الحال؛ أي: صادقًا، أو صفة لمصدر محذوف؛ أي: شهادة صدقًا (من قلبه) : متعلق بقوله: (صدقًا) ، أو بقوله: (يشهد) ، فعلى الأول الشهادة لفظية؛ أي: يشهد بلفظه ويصدق بقلبه، وعلى الثاني قلبية؛ أي: يشهد بقلبه ويصدق بلسانه، واحترز به عن شهادة المنافقين.

(إلَّا حرمه الله على النار) : ومعنى التحريم: المنع؛ كما في قوله تعالى: {وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا} [الأنبياء: 95] ، وهل في المعنى فرق بين (حرمه الله على النار) و (حرم الله عليه النار) ؟

أجيب: بأنه لا اختلاف إلا في المفهومين، وأمَّا المعنيان؛ فمتلازمان، وهل تفاوت بين ما في الحديث وما ورد في القرآن: {حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الجَنَّةَ} [المائدة: 72] ؟

أجيب: بأنه يحتمل أن يقال: النار منصرفة، والجنة منصرف عنها، والتحريم إنَّما هو على المنصرف أنسب، فَرُوْعيَ المناسبة.

فإن قيل: ظاهر الحديث يقتضي عدم دخول جميع من شهد الشهادتين النار؛ لما فيه من التعميم والتأكيد مع أن الأدلة القطعية دلت على أن طائفة من عصاة الموحدين يعذبون في النار، ثم يخرجون منها بالشفاعة.

وأجيب: بأن هذا مقيد بمن يأتي بالشهادتين تائبًا ثم مات على ذلك، أو أنَّه خرج مخرج الغالب، فإنَّ الغالب أن الموحد يعمل الطاعة ويجتنب المعصية، أو أن المراد بتحريمه على النار: تحريم خلوده فيها لا أصل الدخول فيها، أو أنَّ المراد: تحريم جملته؛ لأنَّ النار لا تأكل مواضع السجود من المسلم وكذا لسانه الناطق بالتوحيد، وتمامه في «عمدة القاري» .

(قال) معاذ: (يا رسول الله؛ أفلا) : بهمزة الاستفهام وفاء العطف المحذوف معطوفها؛ والتقدير: أقلتَ ذلك، فلا (أخبر به) ؛ أي: بما قلتَ (الناسَ) ؛ بالنصب، مفعول (أخبر) (فيستبشروا) ؛ بالنصب، بحذف النون؛ لأنَّ الفعل ينصب بعد الفاء المجاب بها بعد النفي، والاستفهام، والعرض؛ والتقدير: فإن يستبشروا، وفي رواية: (فيستبشرون) ؛ بإثبات النون؛ والتقدير: فهم يستبشرون.

(قال) عليه السلام: (إذا) : جواب وجزاء؛ أي: إن أخبرتهم (يتَّكلوا) ؛ بمثناة فوقية مشددة؛ أي: يعتمدوا، كأنه قال: لا تخبرهم؛ لأنَّهم يتَّكلوا على الشهادة المجردة، فلا يشتغلون بالأعمال الصالحة، وفي رواية: (ينْكُلوا) ؛ بنون ساكنة وضم الكاف، من النكول وهو الامتناع؛ أي: يمتنعوا عن العمل؛ اعتمادًا على الكلمة.

وروى البزار في هذه القصة: أنه عليه السلام أذن لمعاذ في التبشير، فلقيه عمر بن الخطاب فقال: لا تعجل، ثم دخل، فقال: يا نبي الله؛ أنت أفضل الناس رأيًا، إنَّ الناس إذا سمعوا ذلك؛ اتَّكلوا عليها، قال: «فرُدَّه» ، فرَدَّه، وهذا من موافقات عمر رضي الله عنه، واستنبط منه في «عمدة القاري» : جواز الاجتهاد بحضرته عليه السلام؛ فليحفظ.

(وأخبر) : وفي رواية: (فأخبر) بالفاء، وفي أخرى: (أخبر) بدون واو، (بها) ؛ أي: بهذه المقالة، وهذا مدرج من أنس رضي الله عنه، (معاذ عند موته) ؛ أي: موت معاذ رضي الله عنه أو عند موت النبي عليه السلام، فالضمير يحتمل رجوعه لكلٍّ منهما، بأنْ أخبر به جماعة عند موت النبي الأعظم عليه السلام، ولآخرين عند موت نفسه، ولا منافاة بينهما خلافًا لمن زعمها.

(تَأَثُّمًا) ؛ بفتح الفوقية والهمزة، وتشديد المثلثة، نصب على أنَّه مفعول له؛ أي: مخافة التأثم إن كتم ما أمر الله به من التبليغ؛ حيث قال: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ البَيِّنَاتِ وَالْهُدَى ... } ؛ الآية [البقرة: 159] .

فإذا تأثم من الكتمان؛ فكيف لا يتأثم من مخالفة النبي الأعظم عليه السلام في التبشير.

قلنا: النهي كان مقيدًا بالاتَّكال، فأخبر به من لا يخشى عليه ذلك، وصنيع معاذ أن النهي كان للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما كان يخبر به أصلًا، أو أن المنع لم يكن إلا من العوام؛ لأنَّه من الأسرار الإلهية لا يجوز كشفها إلا للخواص؛ خوفًا من أن يسمع ذلك من لا علم له، فيتَّكل عليه، فسلك معاذ هذا المسلك، فأخبر به الخواص دون العوام، وتمامه في «عمدة القاري» .

وفي الحديث: بشارة عظيمة للموحدين؛ وجواز ركوب الاثنين على الدابة، والإجابة بـ (لبيك وسعديك) ، والتخصيص لقوم بالعلم؛ حيث فيهم الضبط والفهم، ومنع قوم بعدمه؛ حيث عدم فيهم الفهم ووجد فيهم التقصير والاتِّكال، وهو محل المطابقة للترجمة.

[ص 84]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت