فهرس الكتاب

الصفحة 317 من 860

[حديث: كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد في زمان رسول الله]

174# (قال) أي: المؤلف: (وقال أحمد بن شَبِيب) ؛ بفتح المعجمة، وكسر الموحدة: ابن سعيد التميمي البصري المكي، المتوفى بعد المئتين (حدثنا أبي) ؛ أي: شبيب المذكور، (عن يونس) ؛ أي: ابن يزيد الأيلي، (عن ابن شهاب) : محمد بن مسلم الزهري: أنه (قال: حدثني) بالإفراد (حمزة) ؛ بالحاء المهملة، والزاي (بن عبد الله) ؛ أي: ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أبو عمارة القرشي العدوي المدني التابعي، (عن أبيه) : عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أنَّه (قال: كانت الكلاب تقبل) : جملة محلها النصب على الخبرية إن جعلت (كانت) ناقصة، وإن جعلت تامة؛ بمعنى: وجدت؛ كان محل الجملة النصب على الحال، (وتدبر في المسجد) حال أيضًا؛ والتقدير: حال كون الإقبال والإدبار في المسجد، والألف واللام فيه للعهد؛ أي: في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي رواية زيادة: (تبول) قبل (تقبل وتدبر) ، وعند أبي داود: قال ابن عمر: كنت أبيت في المسجد على عهد رسول الله عليه السلام وكنت فتًى شابًا عزبًّا، وكانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر في المسجد (في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يكونوا) وفي رواية: (فلم يكن) (يرشُّون) وفي رواية: (فلم يرشون) ؛ بإسقاط (يكونوا) و (يكن) (شيئًا من ذلك) بالماء؛ أي: من المسجد، وهو إشارة إلى البعيد في المرتبة؛ أي: ذلك المسجد العظيم البعيد درجته عن فهم الناس، وهذا الترتيب يشعر باستمرار الإقبال والإدبار، ولفظ: (في زمن رسول الله عليه السلام) دالٌّ على عموم الأزمنة، أو اسم للجنس المضاف من الألفاظ العامة، وفي (فلم يكونوا يرشون) مبالغة ليس في قولك: فلم يرشوا؛ بدون لفظ الكون كما في قوله تعالى: {وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ} [الأنفال: 33] حيث لم يقل: وما يعذبهم الله، وكذا في لفظ الرش حيث اختاره على الغسل؛ لأنَّ الرش ليس فيه جريان الماء بخلاف الغسل [1] ، فإنه يُشتَرط فيه الجريان، فنفي الرش يكون أبلغ في نفي الغسل، ولفظ (شيئًا) أيضًا عام؛ لأنَّه نكرة وقعت في سياق النفي، وهذا كلُّه للمبالغة في طهارة سؤره؛ لأنَّه في مثل هذه الصورة الغالب أنَّ لعابه يصل إلى بعض أجزاء المسجد، فإذا قرَّر النبي الأعظم عليه السلام ذلك ولم يأمر بغسله قطُّ؛ عُلِم أنَّه طاهر، وهو مذهب مالك، ورد: بأنَّه لا دلالة على ذلك المذكور؛ لأنَّ طهارة المسجد متيقنة غير مشكوك فيها، واليقين لا يزول بالظنِّ فضلًا عن الشكِّ، وعلى تقدير دلالته، فدلالته لا تعارض منطوق الحديث الناطق صريحًا بإيجاب غسله؛ حيث قال: (فليغسله سبعًا) ، وعلى رواية من روى: (كانت الكلاب تبول وتقبل وتدبر) ، فلا دلالة فيه لمن استدل به على طهارة الكلاب؛ للإجماع على نجاسة بولها، وتقدير هذا: أن إقبالها وإدبارها في المسجد، ثم لا يرش، فالذي في روايته: (تبول) يذهب إلى طهارة بولها، وكان المسجد لم يكن يغلق وكانت تردد، وعَساها كانت تبول إلَّا أنَّ عِلْم بولها فيه لم يكن عند النبي الأعظم عليه السلام، ولا عند أصحابه، ولا عند الراوي عِلْم أي موضع هو؟ ولو كان عَلِم؛ لأمر بما أمر في بول الأعرابي، فدل

[ص 139]

ذلك على أنَّ بول ما سواه في حكم النجاسة سواء، والأوجه أن يقال: كان ذلك في ابتداء الإسلام على أصل الإباحة، ثمَّ ورد الأمر بتكريم المسجد وتطهيره وجعل الأبواب على المساجد، وفيه: دلالة ظاهرة على أنَّ الأرض إذا أصابتها نجاسة فجفَّت بالشمس أو بالهواء، فذهب أثرها؛ تطهر في حقِّ الصلاة عليها دون التيمم منها، وهو مذهب الإمام الأعظم، وأصحابه، والجمهور، خلافًا للإمام زفر، والشافعي، وأحمد، ويدلُّ لذلك أنَّ أبا داود وضع لهذا الحديث: (باب طهور الأرض إذا يبست) ، وأيضًا قوله: (فلم يكونوا يرشون شيئًا) ، وعدم الرشِّ دليل على جفاف الأرض وطهارتها من غير نكير؛ فليحفظ.

واعلم أنَّ في الحديث دليل على نجاسة عظمة الكلب العقور المشحونة بالمكر، والخداع، والفجور، فإنَّها عظمة أنفت الكلاب أكلها وألقتها في المزابل؛ لأنَّه لا خير فيها قط لأحد، بل هي بمكان من الشرور، كما بينت ذلك في كتابي «إنجاء الغريق المخزون فيما يقوله صاحب الهمِّ المحزون» ؛ فافهم.

[1] زيد في الأصل: (في سياق) ، ولعله سبق قلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت