و من هذه النقاط، التفسيرية للنص، نفهم ان ابن سينا لم يؤلف كتاب الشفاء بعد؛ والا كيف يمكن ان نتصور انه عالج موضوع الحدود على هذه السعة في كتاب الشفاء؛ ويتردد هنا في تأليف رسالة صغيرة يكشف فيها عن المبادي الاساسية للنظر في الحدود والرسوم؟ ولو كانت هذه الرسالة، بعد الشفاء، لما ارتضينا ذلك منطقيا، لان الصحيح ان يكون تلاميذه ملمين بمحتوى الشفاء في موضوع الحدود؛ فلا يسألونه تفسيرا، ولا يطلبون منه ايضاحا، ولا يلحون عليه بطلب تأليف رسالة في ذلك.
و اذا كنا الآن على ثقة من ان ابن سينا ألف الرسالة قبل الشفاء؛ فمتى كان ذلك؟ ان الاجابة على مثل هذا السؤال ستفيدنا في فهم نقطتين رئيستين، هما:
1 -ان لغة ابن سينا في الرسالة لا ترقى الى ما نجده في كتبه المتأخرة.
2 -ان الرسالة، في الاساس، يعالج فيها ابن سينا موضوع الحد أول مرة.
ان استيضاح جملة من اخبار ابن سينا سيكشف جانبا مهما عن هاتين النقطتين. واول هذه الاخبار انه رحل الى جرجان سنة 403/ 1017، فتعرف عليه ابو عبيد الجوزجاني، واصبح مريده ومرافقه مدة خمسة وعشرين عاما3»
؛ فقد بدأ مع زملاء له في تلقي العلم عن ابن سينا، لان ابن سينا باشر في هذه المدة بجرجان التعليم، والتصنيف. وكانت مؤلفاته كثيرة في هذه المدة، منها كتاب «المختصر الاوسط في المنطق» ، الذي لخص فيه مجمل القضايا المنطقية ببساطة متناهية؛ فأملى مادته على ابي محمد