اللحم المحلى، المبتل والجاف. تقدم هذه الوجبات عادة في أوان كبيرة أكبر من التي تستخدم في بلادنا، وهي مصنوعة من الخشب المصقول المدهون بنعومة، بلغ عددها خمسة وعشرين أو ثلاثين طبقا. وضع واحد منها أمام كل شخص، وأحيانا طبقان أو ثلاثة إذا ما أريد أن يخصوه بالإكرام. في آخر القاعة، مقابل البوابة تماما، وضع الطعام الذي شمل قسم منه خمسين إبريقا ذهبيا مليئا بالنبيذ، كان بعض هذه الأباريق مطليا بالزخارف، وأخرى مرصعة بالحجارة الكريمة واللؤلؤ. القسم الثاني كان مزينا بستين أو ثمانين كوبا كبيرا مسطح القعر، سعة كل منها ثلاثة باينات، وهي موضوعة على منصة يبلغ ارتفاعها إنشين فقط. ليس بوسع أي بلد في العالم الحصول على ما هو أكثر منها عظمة وفخامة، وروعة وتألقا. لم يشرب السفراء النبيذ، المسكوبي وحده، قدّم له بعض براندي بلاده الذي جلبه معه. دهشت لعدم تقديمهم النبيذ لهذا السفير. احتسى الملك ومعظم كبار حاشيته نبيذا كثيرا. سألت أحد النبلاء الحاضرين عن سبب ذلك، أجابني:"إن هذا من دواعي تبجيل واحترام جلالة الملك"، ثم ابتسم وأضاف:"ما زال ما فعله أحدهم في لقاء مهيب عند الملك الراحل ذكرى ماثلة في الأذهان". رغبت في معرفة ما حدث، فأخبرني:
"العام 64 أسرف سفيران مسكوبيان فوق العادة في حضور الملك في الشراب حتى الثمالة. شرب الملك نخب سيدهما والعهد له بشرب بانتين من النبيذ. شعر السفير الثاني، غير القادر على شرب المزيد بدافع للتقيؤ، ولما لم يدر أين يفعل ذلك، رفع قبعته المصنوعة من فرو السمور وتقيأ فيها. من المعروف أن المسكوبين يعتمرون قبعات ضخمة عالية. استشاط زميله، الذي كان يجلس في مكان أعلى منه وسكرتير السفارة الذي يجلس في مكان منخفض، غضبا لهذه الفعلة الحمقاء في حضور ملك فارس وكل رجالات البلاط، فأنباه وضغطا عليه بمرفقيهما كي يخرج، لكنه لم يفقه ما كانا يرميان إليه بسبب سكره، ولم يعرف حتى ما فعله، فما كان منه إلا أن أعاد قبعته على رأسه. اندلقت القاذورات عليه، فانفجر الملك وكل الحاضرين في الضحك لمدة نصف ساعة. في تلك"