مناطق عديدة أخرى، رغم أن الجو صاف وخال من السحب طوال الصيف، إلا أن الرياح تهب في المساء، مما يجعله منعشا حتى ساعة ونصف قبل الفجر، وهذا عادة حاد ولطيف في الليل حتى إن على المرء أن يرتدي معطفا ثقيلا ليحمي نفسه من البرد. التأثير الثاني، رغم أن هبوب الرياح يتوقف في فصول السنة الأخرى، حتى إنه لا يلاحظ، سترى السماء ملبدة بالغيوم التي تعبر بهدوء من الشرق إلى الغرب دون أي أثر لريح تقودها، مما يعزز الاعتقاد أن اندفاعها قد يحدث لسبب آخر. ثمة جمال فاتن في جو فارس، بحيث لا يمكنني لا نسيانه ولا تحمل ذكره لكل الناس. بوسع المرء القسم أن السماء قد رفعت إلى أوج ذروتها وصبغت بلون آخر، وتختلف عن سماء أوروبا الثقيلة وكئيبة المناخ. وفي هذه البلاد تنتشر مزايا الجو الحميدة ذاتها على كل وجوه الطبيعة وتعظم كل إنتاجها وكل الأعمال الفنية برونق وقوة وبقاء لا تضاهى، دون ذكر كم ينشط سكون هذا الجو الجسد ويفعمه بالحياة وكم يؤثر على سعادة الحالة الذهنية، التي ستسنح لي الفرصة للتعرض لها في تتمة حديثي. سأكتفي هنا بذكر ملاحظة واحدة لأعطي القاري ء فكرة حقيقية والإحساس بجودة ونقاء الجو في فارس. في معظم أرجاء البلاد وفي أصفهان من بين مناطق أخرى، ليست هناك حاجة لسد القوارير كي لا ينساب النبيذ، لأنهم يستخدمون زهورا قرنفلية أو وردية ويضعونها في فم القارورة عوض السدادة، وبعد أن يسكبوا منها قليلا، لا يسدونها قط بعد ذلك. يعتقد المرء أن بقايا زجاجة فتحت لمدة أربع وعشرين ساعة قد تبخرت ووهنت، غير أنها لا تتبدل إلا قليلا وبشكل لا يكاد يلاحظ.
لنتكلم بشكل عام عن التبدل العام في الأوقات والفصول، وقبل كل شي ء في قلب المملكة حيث يسير على النحو التالي: يبدأ الشتاء في نوفمبر/ تشرين الثاني ويستمر بشدة وقوة حتى مارس/ آذار، حين يعم الصقيع وتتساقط الثلوج بكثافة في الجبال، لكن ليس في السهول والبلاد السهلية المنبسطة. ثمة جبال تبعد مسير ثلاثة أيام عن أصفهان إلى الجانب