فهرس الكتاب

الصفحة 275 من 406

بها. لقد تخلوا عن مزاجهم الحربي واستكانوا للترف الذي لا يعتقدون بإمكانية توفره في الهياج السريع والمشاريع المجهدة المشكوك في نتائجها.

هؤلاء القوم من أكثر رجال العالم إسرافا في اللهو وأقلهم اكتراثا بالمستقبل، كما أسلفت. ليس بوسعهم الاحتفاظ بالمال أو أي ثروة تأتي إليهم، إذ أنهم يبذرونها في وقت قصير. على سبيل المثال، إذا منح الملك خمسين أو مئة ألف ليرة إلى رجل ما، سيقوم هذا بصرفها في أقل من أسبوعين على شراء عبيد من الجنسين، والاقتران بزوجات جميلات وتجهيز عربة نبلاء وتأثيث بيت أو شراء ملابس فاخرة لنفسه. وبهذا، ينفق المبلغ بسرعة دون اعتبار للأيام القادمة، وإن لم تأته منح جديدة خلال شهرين أو ثلاثة، يجبر سيدنا على بيع عربته وكل تجهيزاتها تدريجيا، بدءا بخيوله ثم خدمه غير الضروريين، وبعد ذلك خليلاته وعبيده، وأخيرا حتى ملابسه الشخصية. شهدت آلاف الحالات المشابهة، واحدة منها في منتهى الغرابة. كان خصي مسؤولا كبيرا في بيت أحد نبلاء البلاط الكبار وكان مفضلا في السنتين الأخيرتين، ويملك سلطة تخوله طرد أي موظف من وظيفته، ويأمر كما لو كان الملك بعينه، وعليه حصل على فرص لجني ثروات ضخمة. حين أسقط من دائرة المفضلين عند سيده، لم يحرم من أملاكه. ولم يكد يمر شهران حتى أجبر على الاستدانة ورهن أملاكه. لقد انتهت أملاكه كما نفدت أمواله لأنه أنفقها بالسرعة التي جناها.

أكثر ما هو جدير بالثناء والإطراء في أخلاق الفرس لطفهم مع الغرباء. يعود حسن استقبالهم وحمايتهم لهم وكرمهم وتسامحهم الغامر إلى الدين، باستثناء رجال الدين الذين هم مثل كل أمثالهم في العالم، يكرهون إلى حد عظيم كل من يختلف عن معتقداتهم. الفرس متحضرون جدا وفي غاية الاستقامة في موضوع الدين، لدرجة أنهم يسمحون لمن اعتنق الإسلام من ديانة أخرى أن يرتد إلى ديانته السابقة، بينما يمنحهم رجل دين شهادة مصدقة تضمن سلامتهم، يطلق عليها"مرتد"، وهذه

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت