فهرس الكتاب

الصفحة 279 من 406

يتحلى بعض الفرس بكثير من العدل والأمانة والفضيلة والورع، كما عند المؤمنين في أفضل الديانات. غير أن المرء كلما تحدث إلى عدد أكثر من الناس في هذه الأمة، كلما قل عدد من يشملهم هذا الاستثناء، لأن العدد الحقيقي للفرس الصادقين المخلصين المهذبين ضئيل جدا.

بعد ما ذكرته، سيصعب إقناع المرء بأن الفرس في غاية الحرص على تعليم الشباب كما هو الحال في الواقع، مع ذلك هذا صحيح.

النبلاء، أي الرجال المميزون وأطفال رعاة البيوت الموسرين (حيث لا وجود بين الفرس للنبالة بالمعنى الصارم) يربون تربية جيدة. يختارون في العادة، عوض المربين، خصية للعناية بأطفالهم، الذين يبقونهم دوما تحت مراقبتهم الصارمة، ويصحبونهم عند زيارتهم أقاربهم، أو مشاهدة التمارين أو الاحتفالات المهيبة. لا يرسلون أولادهم للمدارس أو الكليات درءا للمفسدة، بل يجلبون لهم المدرسين إلى البيوت. كما ينهون من الحديث مع الخدم كي لا يسمعوا أو يروا شيئا بذيئا. من ناحيتهم يتصرف الخدم أمامهم باحترام وتعقل. ينطبق هذا على تربية الناس العاديين لأولادهم، إذ لا يجعلونهم يعانون من التسكع في الشوارع والانحراف في مسارات سيئة، بل يعلمونهم الصيد والقتال والحيل الماكرة.

يرسلونهم إلى المدارس مرتين في اليوم وعند عودتهم يبقيهم ذويهم قربهم ليعلموهم مهنهم وإتقان العمل الذي يعدون له. لا يخرج الشباب إلى الحياة العملية قبل العشرين، إلا إذا تزوجوا، عندئذ يملكون حريتهم ويتركون في حال سبيلهم. بالزواج أعني الاقتران بامرأة أو قرينة وفق عقد، إذ أنهم يقدمون لهم قرينة فراش عند بلوغهم السادسة عشرة أو السابعة عشرة، إن كانوا من العشاق. يبدون عند دخولهم العالم حكماء جيدي التربية وكرماء خجولين قليلي الكلام، فيهم وقار وتعقل وعفاف في حياتهم وقولهم. غير أن معظمهم يسلك دروبا رديئة فيما بعد، وينغمسون في الترف وطلب المترلة الرفيعة وجني الدخل الكبير لإشباع رغباتهم، فيقعون في ممارسات غير قانونية يقومون بها كل دقيقة وإن بدت مقبولة ظاهريا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت