كان يذهب للبلاط من حين لآخر، فلم يبعده الملك عنه ولم يمنعه من حضور مجلسه. كان سبب هذا الطرد لأنه لم يشرب النبيذ، متذرعا دوما بكبر سنه. كان وقار رئيس الوزراء، ولقب الشيخ الذي يحمله ومعناه الديني كقديس، يعني لنا أنه رجل كرس نفسه لطاعة أشد أوامر الدين صرامة، وهذا يتمشى وحجه إلى مكة مما يجعله يتمسك بطهارة عظيمة في الحياة. كثيرا ما كان الملك يغلظ له القول حين يراه الوحيد المتمسك بتصميمه على عدم شرب النبيذ، ولقد تمادى مرة لدرجة ضربه بأقداح النبيذ وإلقائها في وجهه وسكبها على رأسه وكل ملابسه. كما كان في نوبات غضبه يكيل له ألف إهانة من هذا القبيل، وحين تنتهي هذه النوبات العاطفية وفي لحظات صفوه، يقدره بلا حدود لتفانيه التام في العمل لمصلحة البلاد، وخصاله الحميدة وقدراته الذهنية الهائلة. في الواقع، كان وزيرا حكيما، كله فطنة ووقار عظيمين. يمكن إلقاء اللوم في قسوته في معاملة المسيحيين على مشاعره الدينية أكثر من طبيعة مزاجه. علينا أن نتهم هذه المشاعر في ممارسته الصارمة ضد المسيحيين. ولو لا هذا الحماس الأعمى الذي يعتريه، لكان عند المسيحيين والمسلمين على حد سواء من الأسباب ما يدعوهم لمباركة إدارته. هذا صحيح، حتى لمن لا يؤيدون ذلك، لأنه يمنع الملك من الإفراط في الإسراف وتبديد خزينته مثل سابقيه. أمر نادرا ما يروق البلاط، الفقير والمعوز عادة، حين لا يكون الأمير سخيا. كان هذا الوزير في الخامسة والخمسين، حسن القوام والتكوين، وسيم الطلعة والطبيعة، ويتحلى بأعظم ميز الفراسة في العالم.
هدوء دائم وطلالة تملأ عينيه فتنة ورزانة، وأبعد من أن تلاحظ فيهما أي دلالة على ذهن منهك مشغول كالذي يبدو على معظم الوزراء العظماء.
عينان يرى المرء فيهما كل إمارات السكينة والفكر غير المشوش، تستحوذان عليه تماما، حتى من يراه بغير معرفة لن يحسبه أبدا رجلا مسؤولا. أما من تشرفوا بمعرفته عن قرب وبحثوا في خصاله الداخلية، فإنهم يقولون أشياء رائعة حول تواضعه واعتداله. يؤكد لك هؤلاء أنه قليل الغرور، جري ء الفؤاد. في سيماء وجهه ضراوة جبار، وفي تصرفه