قد يبدو الأمر أننا نسوق تعبيرات أدبية أو أنن نبسط المسألة ونسطحها، ولكن الحقيقة أن هذه العبارة السهلة البسيطة هي في الواقع معادلة سليمة وصحيحة تدل عليها التجربة ويمكن إثباتها، وهذا هو موضوع الدراسة.
الفائدة العالية تدمر قيمة النقود وتنسف أي نظام نقدي ما دامت تزيد كل يوم، وتتوقف سرعة التدمير وحجمه على مقدار الفائدة ومدتها.
ولكن ما هي الفائدة العالية؟ ومتى يمكن اعتبارها عالية؟
من البديهي أن 12% أعلى من 10% ولكن هل الـ10% رقم عال؟ أم أنه عال جدًا؟ أم أنه يتجاوز المعقول؟
سؤال لا يمكن الإجابة عليه إلا إذا وجدنا مقياسًا فما هو المقياس لمقدار الفائدة المناسب؟
المقياس هو إنتاجية الاقتصاد القومي، أي: هو القيمة المضافة، أو الزيادة في الإنتاج، أو قيمة الأصول الموجودة في المجتمع، والناشئة عن تشغيل رأس المال النقدي (النقود) في هذا المجتمع. أي الربح الناشئ عن استخدام النقود في نشاط منتج.
فكل الفوائد تعتبر عالية إذا زادت عن معدل الإنتاجية في المجتمع، أي إذا زادت عن القيمة المضافة أو عما أضافه استخدام النقود من زيادة حقيقة في الإنتاج.
فحيثما يحدث ذلك؛ فمقدار الفائدة يعتبر مرتفعًا، ومعنى ذلك أن النقود تتكلف أكثر مما تحققه من ناتج إستخدامها.
من المسؤول؟
المسؤول هو السياسة، وصانعو السياسة بقراراتهم غير المسؤولة التي أساءوا من خلالها إلى النقود واستعمالاتها، هم السبب وهم الذين يتحملون المسؤولية. ولكن آثار الكارثة التي سببوها غير موزعة بالتساوي.
لقد تعب الاقتصاديون من محاولات امتصاص وتقليل كمية النقود. فالكمية تزداد بالرغم من المحاولات المستمرة للحد منها وعلى الأخص مع استمرار زيادة الفائدة.
إن ارتفاع الفائدة مثل تدفق الماء الذي يعقب انهيار السد، والذي يزيد من آثار الفيضان الناشئ عن انهياره، والذي نعنيه اليوم هو فيضان نقدي وكارثة غرق في النقود الرديئة.
والسبب هو الفائدة، فهي أساسا الانهيار، إنهيار السد وزيادة كارثة الغرق. فالكارثة كان من الممكن تفاديها لو اتبعنا سياسة إقتصادية أخرى. سياسة نقدية أسلم وأصوب.
المضاربة
للمضاربة في الفقه الإسلامي معنى مختلف تمامًا عن معناها الدارج عند المضاربين في أسواق المال.
وتسمى أيضًا بالقِراض (بكسر القاف) ، وتسمى أيضًا بمعاملة.
وجاءت تسمية المضاربة من الضرب في الأرض (وهو السفر للتجارة)
يقول تعالى: (( وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِن فَضْلِ اللَّهِ ) ) [المزمل:20]
والمضاربة أحلها الإسلام وجاء فيها إجماع السلف وإجماع المجامع الفقهية ويتجلى ذلك بقرارهم الخاص بصكوك المقارضة بديلًا عن السندات الربوية.
يقول ابن حزم عن الإجماع حول المضاربة:
"إجماع صحيح مجرد، والذي يقطع به أنه كان في عصر النبي صلى الله عليه وسلم فعلم به وأقره ولولا ذلك لما جاز."
كما أكد على ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في مجموع الفتاوى (19\192)
مفهوم المضاربة
تعريف المضاربة باختصار كما جاء في (الروض المربع -شرح زاد المستقنع) هو كالتالي:
دفع مال معلوم (لمُتَجِر) أي لمن يتجر به (ببعض ربحه) أي بجزء معلوم مشاع منه كما تقدم.
وبصورة أبسط:
تصور أنك تملك مالًا، وتعطي هذا المال لمن يتاجر به وتقتسمون الربح بينكم بنسبة متفق عليها.
فإذا كانت نتيجة هذه التجارة هي الخسارة أو عدم الربح، فإن المضارب (الذي يتاجر بالمال) لا يأخذ أجرًا، ولكنه لا يعوض صاحب رأس المال أيضًا.
أي أن صاحب رأس المال هو الضامن طالما أن المضارب لم يقصر ولم يفرط ولم يخن الأمانة ولم يخالف الشروط (إن كانت هنالك شروط) .
القرض الإنتاجي الربوي وشركة المضاربة
وأقتبس هنا ما جاء في (موسوعة القضايا الفقهية المعاصرة والاقتصاد الإسلامي)
"الفرق بين القرض الإنتاجي الربوي وشركة المضاربة، أن القرض يحدد له فائدة ربوية للمبلغ المقترض، والزمن الذي يستغرقه القرض، كأن يكون 10% من رأس المال سنويًا بغض النظر عما ينتج عن هذا القرض من كسب كثير أو قليل أو خسارة."
أما في المضاربة فالربح الفعلي يقسم بين صاحب رأس المال والمضارب بنسبة متفق عليها، والخسارة من رأس المال وحده، ولا يأخذ العامل شيئًا في حالة الخسارة، ولا في حالة عدم وجود ربح.
والعلاقة بين صاحب القرض وآخذه ليست من باب الشراكة، فصاحب القرض له مبلغ معين محدد، ولا شأن له بعمل من أخذ القرض، ومن أخذ القرض يستثمره لنفسه فقط، حيث يملك المال ويضمن رد مثله مع الزيادة الربوية، فإن كسب كثيرًا فلنفسه، وإن خسر تحمل وحده الخسارة.
أما المضاربة فهي شركة فيها المغنم والمغرم للإثنين معًا. فالمضارب لا يملك المال الذي بيده وإنما يتصرف فيه كوكيل عن صاحب رأس المال، والكسب -مهما قل أو كثر- يقسم بينهما بالنسبة المتفق عليها، وعند الخسارة يتحمل صاحب رأس المال الخسارة المالية، ويتحمل العامل ضياع جهده وعمله، ولا ضمان على المضارب كما ذكرنا.""
المضاربة أساس العمل المصرفي الإسلامي
فجميع العقود الخاصة بالودائع وحسابات التوفير هي عقود مضاربة، وما هذه الأرباح المحققة من قبل البنوك الإسلامية على الودائع (كبيت التمويل مثلًا 8.4%) إلا نتاج المضاربة
فالعقد هنا يتم بين طرفين، الطرف الأول هو العميل، والطرف الثاني هو البنك الإسلامي بصفته شخصية إعتبارية.
وقد جاء تعريف الشخصية الاعتبارية في كتاب: المدخل إلى فقه المعاملات المالية للأستاذ دكتور محمد عثمان شبير، كما يلي:
"الشخصية الاعتبارية تعني اعتبار المنشأة التي ترمي إلى هدف معين شخصًا مستقلًا عن أشخاص المكونين لها أو القائمين عليها. بحيث تكون لها ذمة مالية خاصة ومستقلة عن هؤلاء الأشخاص، تستطيع بواسطتها أن تتملك وتتعاقد، وأن تكون دائنة ومدينة، وأن تلتزم بالحقوق، وتلتزم بالواجبات مثل الشخص الطبيعي."
فتوى مجمع البحوث الإسلامية بإباحة فوائد المصارف
الصادرة في 23 من رمضان 1423هـ الموافق 28 من نوفمبر 2002م
الذين يتعاملون مع بنك الشركة المصرفية العربية الدولية أو مع غيره من البنوك، ويقومون بتقديم أموالهم ومدخراتهم إلى البنك ليكون وكيلا عنهم في استثمارها في معاملاته المشروعة مقابل ربح يصرف لهم ويحدد مقدما في مدد يتفق مع المتعاملين معه عليها؛ هذه المعاملة بتلك الصورة حلال ولا شبهة فيها؛ لأنه لم يرد نص في كتاب الله أو من السنة النبوية بمنع هذه المعاملة التي يتم فيها تحديد الربح أو العائد مقدما، ما دام الطرفان يرتضيان هذا النوع من المعاملة.
قال الله تعالى:"يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم"سورة النساء: الآية 29.
أي: يا من آمنتم بالله حق الإيمان لا يحل لكم ولا يليق بكم، أن يأكل بعضكم مال غيره بالطرق الباطلة التي حركها الله - تعالى - كالسرقة، أو الغصب، أو الربا، أو غير ذلك مما حرمه الله - تعالى - لكن يباح لكم أن تتبادلوا المنافع فيما بينكم عن طريق المعاملات الناشئة عن التراضي الذي لا يحل حراما ولا يحرم حلال، سواء كان هذا التراضي فيما بينكم عن طريق التلفظ أم الكتابة أم الإشارة أم بغير ذلك مما يدل على الموافقة والقبول بين الطرفين.
ومما لا شك فيه أن تراضي الطرفين على تحديد الربح مقدما من الأمور المقبولة شرعا وعقلا حتى يعرف كل طرف حقه.