فهرس الكتاب

الصفحة 732 من 1226

ولا يخفى أن مثل هذه الشركة التي ساهم فيها أناس كثيرون من المواطنين، الذين يرغبون الكسب الحلال ولا يقصدون الرِّبا بوجه من الوجوه، ومرابات الشركة بأموالهم تجعل كسبهم خبيثًا حرامًا , فلهذا يتعين على الشركة اجتناب هذه المعاملات الرِّبوية الخبيثة , وسنكتب على هذا كتابة مستوفاة فيما بعد ، وإنما أردنا التنبيه على هذا بصورة مستعجلة استجابة لمراجعة الذين استنكروا هذا من المواطنين ، نستنكر هذا ، ونرجو من المسئولين ملاحظة ذلك بصورة مستمرة , والله الموفق , والسلام عليكم .

مفتي الديار السعودية

شركة جمعية التموين المنزلي: قال سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى: ( مجموع فتاوى سماحته ج7/160-167) .

(فقد سمعنا نبأ تأسيس شركة باسم( جمعية التموين الْمنْزلي ) لموظفي الدولة بالرياض , وقد اتصل بنا بعض الإخوان من طلبة العلم والمنتسبين إليه ، وأطلعونا على صورة من اللائحة النظامية لهذه الجمعية ، فجرى منا دراستها .

ونأسفُ أن تكون مشتملة على مواد لا يُقرُّها من رضي الله ربًا, والإسلام دينًا, ومحمدًا صلى الله عليه وسلَّم نبيًا، كما أننا نستغرب أن تكون صادرة من أهل الفطرة ، فإنا لله وإنا إليه راجعون , وإنَّ في هذا والله لشيء من الإعراض ونسيان آيات الله ، قال الله تعالى: (( وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى* قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا* قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى* وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى ) ) (طه:124-127) .

ونحن إذ نأسف على هذا وننكره بألسنتنا وأقلامنا وقلوبنا .. نفيد بملاحظاتنا فيما يأتي:

أولًا: جاء في المادة الرابعة من الأحكام المالي ما نصه: يدفع كل عضو في الجمعية رسم خدمة بالنسبة للقروض التي يستلفها من الجمعية ، وتحدد الجمعية قيمة هذه العمولة . أ.هـ .

وملاحظتنا على المادة من حيث الاشتراط في القرض: إذ أنَّ الغرض من القرض: الإرفاق والقربة ، والاشتراط على المقترض أن يدفع رسم خدمة بالنسبة للقرض التي يستلفه من الجمعية يُخرجه عن أصله المشروع إلى أنواع الرِّبا ، إذ قد أجمع العلماء على تحريم كل شرط في القرض جرَّ نفعًا ، قال ابن المنذر رحمه الله: (أجمعوا على أنَّ المسلف إذا شرط على المستلف زيادة أو هدية فأسلف على ذلك , أنَّ أخذ الزيادة على ذلك ربًا ) أ.هـ [40] .

وسواء كانت الزيادة في القدر أو الصفة ... وعن أبي بردة ابن أبي موسى قال: قدمتُ المدينةَ فلقيتُ عبدَ الله بنَ سلامٍ ، فقالَ لي: (إنكَ بأرضٍ فيها الرِّبا فاشٍ ، فإذا كانَ لَكَ على رجلٍ حَقٌّ فأَهدَى إليك حِمْلَ تِبْنٍ , أو حِمْلَ شَعيرٍ , أو حِملَ قَتٍّ فلا تأخذه فإنه ربًا) رواه البخاري في صحيحه [41] .

ثانيًا: جاء في المادة الثالثة من الأحكام المالية الفقرة (ب) التي هذا نصها: تدفع الجمعية عمولة على التوفيرات ، لا تزيد نسبتها على 3% سنويًا ، وذلك في حالة الوديعة , لأجل هذه المادة باطلة من أساسها ، وهي تشتمل على الرِّبا الصريح المحرَّم شرعًا في كتاب الله تعالى ، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلَّم , قال الله تعالى: (( وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا ) ).

وقال تعالى: (( يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ ) ).. وقال صلى الله عليه وسلَّم فيما رواه عبد الله بن حنظلة رضي الله عنه: (( درهمُ ربًا يأكله الرجلُ وهو يعلمُ أشدّ من ستة وثلاثين زنية ) )رواه أحمد ، ورجاله رجال الصحيح [42] .

ولا شك أنَّ ما تعنيه هذه المادة هو عينُ الرِّبا بقسميه: ربا الفضل , و ربا النسيئة , بيان ذلك: أن العضو في الجمعية يُسلم مبلغًا من المال كألف ريال (1000) مثلًا ، فإذا طلبه بعد عام سلَّمته له بزيادة قدرها ثلاثون ريال, فربا الفضل في هذا: أنه سلَّمها ألفًا وسلَّمته ألفًا وثلاثين ريال (1030) .

وربا النسيئة: أنه سلَّمها ألفًا في الحال ، وسلَّمته إياه بزيادة بعد عام, يتضح بطلان هذا وأنه هو الرِّبا الصريح بقسميه من الأحاديث الصحيحة الثابتة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومنها: ما رواه عبادة بن الصامت رضي الله عنه عن النبيِّ صلى الله عليه وسلَّم قال: (( الذَّهَبُ بالذَّهبِ, والفضةُ بالفضةِ, والبُرُّ بالبُرِّ , والشعيرُ بالشعيرِ , والتَّمرُ بالتَّمرِ , والمِلْحُ بالملح , مِثْلًا بِمِثْلٍ , سواءً بسوَاءٍ , يَدًا بيدٍ , فإذا اختلفت هذه الأصنافُ فبيعوا كيفَ شئتم , إذا كانَ يدًا بيدٍ ) )رواه أحمد ومسلم [43] ونعتقدُ أنَّ وضوح ما ذكرنا يُعفينا من الاسترسال في استقصاء الأحاديث وأقوال العلماء .

ثالثًا: جاء في المادة الثانية من القسم (هـ) ما نصُّه: تُحال جميع الخلافات التي تتعلق بأعمال الجمعية تفسير هذه اللائحة والقائمة بين الأعضاء الذين يدَّعون بالنيابة عنهم , أو بين الأعضاء الحاليين والأعضاء السابقين الذين يدَّعون بالنيابة عنهم من جهة واحدة , والجمعية ومجلس الإدارة من جهة أخرى: إلى وزارة العمل والشئون الاجتماعية , التي تفصلُ في الخلافات أو تُحيله إلى مُحَكِّمٍ واحد أو أكثر للفصل فيه ، ويكون القرار الذي تُصدره وزارة العمل والشئون الاجتماعية أو المحكِّم والمحكمون المقترن بوزارة العمل قطعيًا غير قابل للاستئناف .

إننا قبل أن نستنكرَ هذا ، ونبين أنه صريحُ الإعراض عن حكم الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم ، نتساءلُ: مَن أولئك الحكَّام الذي سيفصلون فيما يَحدث من مشاكل في هذه الشركة من أمثالها ؟ ومع هذا تكون أحكامهم قطعية غير قابلة للاستئناف ، ولا للتمييز ؟ إنهم قانونيون ، قد يكونوا عرفوا بعض أشياء ، ولكن ليس منها قطعًا أحكام الله ورسوله صلى الله عليه وسلَّم , فإنا لله وإنا إليه راجعون (( رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا ) ) (آل عمران:8) .

لو سمعنا بهذا خارج بلادنا لكان منا الاستنكار والاستياء ، ولكن ما الذي يكون منا إذا كان هذا الأمر في عقر دورنا ، ومن أبناء لا نزال نعتقد فيهم بقية باقية من الفطرة السليمة ، والتمسك بتحكيم الشريعة ، إن الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه الكريم: (( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا ) ) (النساء:59) .

ويقول أيضًا: (( فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا ) ) (النساء:65) .

ويقول تعالى: (( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ ) ) (المائدة:44) .

(( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ) ) (المائدة:45) .

(( وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ ) ) (المائدة:47) .

ويقول تعالى: (( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ حُكْمًا لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) ) (المائدة:50) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت