إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد:
فقد أشار القرآن الكريم إلى الاجتهاد في آيات كثيرة منها قوله تعالى: {وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وإلى أُولِي الأمر منهم لعلمه الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} [1] .
وقد أذن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأصحابه بالاجتهاد في عصره وأقرهم عليه بضوابط حددها، فمن ذلك حديث معاذ، لما بعثه إلى اليمن"فقال له بم تقضي؟ قال بكتاب الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: بسنة رسول الله. قال فإن لم تجد؟ قال اجتهد برأيي ولا آلو. فضرب النبي - صلى الله عليه وسلم - صدره وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله" [2] .
فشرعية الاجتهاد ثابتة بالقرآن والسنة، ولكن ليست الأحكام الشرعية كلها محلا للاجتهاد فمنها مالا يجوز الاجتهاد فيه إذا كان النص قطعي الورود لا يسوغ أن يكون ثبوته وصدوره عن الله ورسوله موضوع بحث واجتهاد، فإذا دل النص على حكم حادثة من الحوادث فلا يجوز للمجتهد أن يجتهد فيه، وما دام قطعي الدلالة فلا يجوز أن تكون دلالته على معناه
(1) سورة النساء، الآية 83.
(2) أخرجه أبو داود في سننه، باب كتاب الأقضية، باب اجتهاد الرأي في القضاء حديث رقم (3592) والترمذي في سننه كتاب الأحكام، باب ما جاء في القاضي كيف يقضي، حديث رقم (1327) وسيأتي مزيد تخريج للحديث في ص (24) .