المطلب الأول
تأصيل القاعدة من الكتاب والسنة والإجماع
وقد دلت أدلة كثيرة من الكتاب والسنة وإجماع الأمة على اعتبار هذه القاعدة الجليلة، وسأذكر أهمها فيمايلي:
أ- أدلة القاعدة من الكتاب:
1 -قول الله سبحانه وتعالى: {وما كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى الله ورسوله أَمْرًا أَنْ يكون لَهُمُ الخيرة مِنْ أمرهم} [1] .
وجه الاستدلال: ان الآية الكريمة نصت على أنه ليس لمؤمن أن يختار بعد قضاء الله سبحانه وتعالى وقضاء رسوله، فدل هذا أنه لا اجتهاد إذا ورد نص من الكتاب والسنة [2] .
2 -وقوله سبحانه وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمنوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ فِي فِي فَرُدُّوهُ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ بِاللَّهِ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخر ذلك خير وَأَحْسَنُ (59) (59) } [3] .
وجه الاستدلال: أن الله سبحانه وتعالى أمر بطاعته سبحانه وتعالى، وطاعة رسوله - صلى الله عليه وسلم -، ثم أمر بإرجاع الأمر إلى الله ورسوله عند التنازع، فدل ذلك على أنه لا اجتهاد إذا وجد نص عن الله ورسوله، وذلك لأنه سبحانه وتعالى حصر الرجوع إلى نصوص الكتاب والسنة. [4]
3 -قوله تعالى: {فَإِنْ لَمْ يستجيبوا لَكَ فَاعْلَمْ أنما يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتبع هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدَى من اللَّهِ إِن اللَّهَ لَا يهدي الْقَوْمَ الظالمين} [5] .
وجه الاستدلال: أن الله سبحانه وتعالى قسم الأمر إلى اثنين لا ثالث لهما، فإما الاستجابة لله ورسوله وماجاء به من نصوص الكتاب والسنة، وإما اتباع الهوى، والاجتهاد مع وجود النص يعتبر من الهوى فلا عبرة به. [6]
ب - أدلة القاعدة من السنة:
1 -حديث معاذ بن جبل [7] - رضي الله عنه - عند ما بعثه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى اليمن قاضيا ومعلما قال:"كيف تقضي إذا عرض عليك القضاء"؟ قال: أقضي بكتاب الله. قال:"فإن لم يكن في كتاب الله"؟ قال: فبسنة رسول الله، قال:"فإن لم يكن في سنة رسول الله"؟ قال: اجتهد برأيي ولا آلو، فضرب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صدره وقال:"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي الله ورسوله". [8]
وجه الاستدلال: أن الحديث نص في عدم اعتبار الاجتهاد مع وجود نص من الكتاب
(1) سورة الأحزاب الآية (36) .
(2) ينظر: إعلام الموقعين (1/ 54) ، والوجيز وإيضاح قواعد الفقه الكلية (صـ330) .
(3) سورة النساء الآية (59) .
(4) ينظر: إعلام الموقعين (1/ 50) .
(5) سورة القصص الآية (50) .
(6) ينظر: إعلام الموقعين 1/ 49.
(7) هو: الصحابي الجليل معاذ بن جبل بن عمرو بن أوس الأنصاري الخزرجي، من علماء الصحابة وفقهائهم، شهد المشاهد كلها مع النبي صلى الله عليه وسلم، توفي - رضي الله عنه - سنة (17هـ) ينظر: الاستيعاب، والإصابة 3/ 427.
(8) أخرجه أبو داود في سننه, كتاب الأقضية: باب اجتهاد الرأي في القضاء2/ 327، حديث (3592و 3593) والترمذي في سننه, كتاب الأحكام: باب ما جاء في القاضي كيف يقضي3/ 616، حديث (1327و 1328) , والإمام أحمد في مسنده 5/ و 242, والبيهقي في السنن الكبرى 10/ 114, كتاب آداب القاضي، وابن عبد البر في"جامع بيان العلم وفضله"2/ 55 - 56, وابن حزم في"الأحكام"6/ 26, 35, كلهم من طريق شعبة عن الحارث بن عمرو عن أصحاب معاذ بن جبل عن معاذ بن جبل. وقال الترمذي:"هذا حديث لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل"، و قال الحافظ ابن حجر بعد أن نقل تضعيف بعض أهل العلم لهذا الحديث:"وقال ابن الجوزي في (العلل المتناهية) : (لا يصح وإن كان الفقهاء كلهم يذكرونه في كتبهم, ويعتمدون عليه, وإن كان معناه صحيحا) ثم قال: وقد أخرجه الخطيب في كتاب (الفقيه والمتفقه) من رواية عبد الرحمن بن غنم, عن معاذ بن جبل, فلو كان الإسناد إلى عبد الرحمن ثابتا, لكان كافيا في صحة الحديث, وقد استند أبو العباس بن القاص في صحته - إلى تلقي أئمة الفقه والاجتهاد له بالقبول, قال: وهذا القدر مغن عن مجرد الرواية, وهو نظير أخذهم بحديث: (لا وصية لوارث) , مع كون راويه إسماعيل بن عياش". التلخيص الحبير (4/ 446) .