312-7966- أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رِزْمَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ غِيَاثٍ ، عَنِ الْأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -:"خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَنْ ظَهْرِ غِنًى ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ"تَقُولُ الْمَرْأَةُ: إِمَّا أَنْ تُنْفِقَ عَلَيَّ أَوْ تُطَلِّقَنِي ، وَيَقُولُ الِابْنُ: إِلَى مَنْ تَكِلُنِي وَيَقُولُ الْعَبْدُ: أَنْفِقْ عَلَيَّ وَاسْتَعْمِلْنِي قِيلَ: يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"لَا ، هَذَا مِنْ كِيسِي" [1]
(1) - صحيح البخارى برقم ( 1426 ) ونص (2546 و2556) والمسند الجامع برقم ( 13306)
وفي شرح ابن بطال - (ج 5 / ص 476)
قال بعض أهل العلم: في قوله - صلى الله عليه وسلم -: « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى، وابدأ بمن تعول » دليل على أن النفقة على الأهل أفضل من الصدقة، لأن الصدقة تطوع، والنفقة على الأهل فريضة.
وقوله: « لا صدقة إلا عن ظهر غنى » أى لا صدقة إلا بعد إحراز قوته وقوت أهله، لأن الابتداء بالفرائض قبل النوافل أولى، وليس لأحد إتلاف نفسه، وإتلاف أهله بإحياء غيره، وإنما عليه إحياء غيره بعد إحياء نفسه، وأهله، إذ حق نفسه وحق أهله أوجب عليه من حق سائر الناس، ولذلك قال: « وابدأ بمن تعول » ، وقال لكعب: « أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك » .
قال الطبرى: فإن قيل: هذا المعنى يعارض فعل أبى بكر الصديق، رضى الله عنه، حين تصدق بماله كله، وأمضاه النبى - صلى الله عليه وسلم - . قيل: قد اختلف العلماء فيمن تصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله، فقالت طائفة: ذلك جائز إذا كان في صحته. واعتلوا بخبر أبى بكر حين تصدق بماله كله، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - قَبِلَ ذلك ولم ينكره ولا رَدَّهُ، وهو قول مالك، والكوفيين، والشافعى، والجمهور.
وقال آخرون: ذلك كله مردود، ولا يجوز شىء منه. رُوى ذلك عن عمر بن الخطاب أنه رد على غيلان بن سلمة نساءه، وكان طلقهن، وقسم ماله على بنيه، فَرَدَّ عمر ذلك كله.
وقال آخرون: الجائز من ذلك الثلث، ويرد الثلثان واعتلوا بحديث كعب بن مالك، وأن النبى - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ صدقته إلى الثلث. هذا قول مكحول، والأوزاعى.
وقال آخرون: كل عطية تزيد على النصف ترد إلى النصف. روى ذلك عن مكحول.
قال الطبرى: والصواب في ذلك عندنا أن صدقة المتصدق بماله كله في صحة بدنه وعقله جائزة، لإجازة النبى، - صلى الله عليه وسلم - ، صدقة أبى بكر بماله كله، وإن كنت لا أرى أن يتصدق بماله كله، ولا يجحف بماله ولا بعياله، وأن يستعمل في ذلك أدب الله تعالى لنبيه، - صلى الله عليه وسلم - ، بقوله: {ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملومًا محسورًا} [الإسراء: 29] وأن يجعل من ذلك الثلث كما أمر الرسولُ كعبَ بن مالك وأبا لبابة.
وأما إجازته لأبى بكر الصديق، رضى الله عنه، الصدقة بماله كله، فهو إعلام منه أمته أن ذلك جائز غير مذموم وردُّه على كعب، وأبى لبابة ما رَدَّ، وأمرهُ لهما بإخراج الثلث إعلامٌ منه بموضع الاستحباب والاختيار، لا حَظْرا منه للصدقة بجميع المال، والدليل على ذلك إجماع الجميع على أن لكل مالك مالا إنفاق جميعه في حاجاته، وصرفه فيما لا يحرم عليه من شهواته، فمثله إنفاق جميعه فيما فيه القربة إلى الله، إذ إنفاقه في ذلك أولَى من إنفاقه في شهواته، ولذاته.
قال غيره: وأما قوله: وأما من تصدق وعليه دين، فالدين أحق أن يقضى من الصدقة والعتق والهبة، وهو رد عليه. فهو إجماع من العلماء لا خلاف بينهم فيه.
وقوله: إلا أن يكون معروفًا بالصبر، فيؤثر على نفسه. فإنما يرجع هذا الاستثناء إلى قوله: من تصدق وهو محتاج. ولا يرجع إلى قوله: أو عليه دين، للإجماع الذى ذكرنا، ومن بلغ منزلة الإيثار على نفسه، وعلم أنه يصبر على الفقر، ويصبر أهله عليه، فمباح له أن يؤثر على نفسه، ولو كان بهم خصاصة، وجائز له أن يتصدق وهو محتاج، ويأخذ بالشدة كما فعل الأنصار بالمهاجرين، وكما فعل أبو بكر الصديق، رضى الله عنه، وإن عرف أنه لا طاقة له ولا لأهله على مقارعة الفقر والحاجة، فإمساكه لماله أفضل، لقوله - صلى الله عليه وسلم -: « أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك » وقوله: « وابدأ بمن تعول » وقد روى عباد بن العوام عن عبد الملك بن عمير، عن عطاء، عن أبى هريرة، عن النبى، - صلى الله عليه وسلم - ، قال: « لا صدقة إلا عن ظهر غنى » لفظ الترجمة وهو معنى قوله: « خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى » .
قوله: « اليد العليا خير من اليد السفلى » . فيه ندب إلى التعفف عن المسألة، وحض على معالى الأمور، وترك دنيئها، والله يحب معالى الأمور، وفيه: حض على الصدقة أيضًا. لأن العليا يد المتصدق، والسفلى يد السائل، والمعطِى مفضل على المعطَى، والمفضَّل خير من المفضَّل عليه، ولم يُرِدْ - صلى الله عليه وسلم - أن المفضَّل في الدنيا خير في الدين، وإنما أراد في الإفضال والإعطاء.
قال الخطابى: وتفسيره في هذا الحديث: اليد العليا المنفقة، والسفلى السائلة تفسير حسن، وفيه وجه آخر أشبه بمعنى الحديث، وهو أن تكون العليا هى المتعففة، وقد روى ذلك مرفوعًا: حدثونا عن علىِّ بن عبد العزيز، حدثنا عارم، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر، قال: سمعت النبى - صلى الله عليه وسلم - يخطب يقول: « اليد العليا خير من اليد السفلى، اليد العليا المتعففة » . ورواه ابن المبارك، عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر، قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: « اليد العليا المنفقة، واليد السفلى السائلة » . قال أبو داود: ورواه عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر مثله، ويؤكد هذا ما روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهرى، عن عروة، وسعيد بن المسيب، أن النبى، - صلى الله عليه وسلم - ، أعطى حكيم بن حزام دون ما أعطى أصحابه، فقال حكيم: ما كنت أظن يا رسول الله أن تقصر بى دون أحد. فزاده حتى رضى، فقال النبى - صلى الله عليه وسلم -: « اليد العليا خير من اليد السفلى » ، قال: ومنك يا رسول الله؟ قال: « ومنى » ، قال: والذى بعثك بالحق لا أرزأ أحدًا بعدك شيئًا، فلم يقبل عطاء ولا ديوانًا حتى مات.
قال أبو سليمان: فلو كانت اليد العليا المعطية، لكان حكيم قد توهم أن يدًا خير من يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقوله: « ومنك يا رسول الله » يريد أن التعفف من مسألتك كهو من مسألة غيرك، فقال - صلى الله عليه وسلم -: « نعم » ، فكان بعد ذلك لا يقبل العطاء من أحد. وروى في وجه ثالث عن الحسن، قال: اليد العليا المعطية، واليد السفلى المانعة.
قال المؤلف: وحديث عروة وسعيد مرسل، والمسند أقطع في الحجة عند التنازع.
ومنها حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال" ( كنا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذ جاءه رجل بمثل بيضة من ذهب فقال يا رسول الله أصبت هذه من معدن فخذها فهي صدقة، ما أملك غيرها، فأعرض 40 161 رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنه مرارا- وهو يردد كلامه هذا - ثم أخذها - صلى الله عليه وسلم - فحذفه بها، فلو أصابته لأوجعته أو لعقرته، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يأتي أحدكم بما يملك فيقول هذه صدقة ثم يقعد يستكف الناس، خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى ) "، وفي رواية أخرى أنه - صلى الله عليه وسلم - قال" ( خذ عنا مالك لا حاجة لنا به ) ".
الاتجاه الثاني يرى من ذهب إليه أن من نذر التصدق بكل ما يملك من مال فإن نذره هذا يمين، وتلزمه كفارة يمين، روي هذا عن عمر وابنه عبد الله وابن عباس وجابر بن عبد الله وعائشة وأم سلمة رضي الله عنهم، وهو قول الحسن البصري وطاووس وعطاء بن أبي رباح وعكرمة والأوزاعي وقتادة وسليمان بن يسار ، وهو رواية عن أحمد بن حنبل .
واستدل هؤلاء بحديث عقبة بن عامر رضي الله عنه أن رسول الله كنت قال" ( كفارة النذر كفارة اليمين ) ".
فقد أفاد هذا الحديث أن حكم النذر كحكم اليمين، فمن حنث في يمينه تلزمه كفارة، فكذلك يلزم الناذر إن لم يف بنذره كفارة ككفارة اليمين.
الاتجاه الثالث يرى أصحابه أن من نذر التصدق بكل ماله فإنه يجزئه التصدق بثلث هذا المال. وقد مال إلى هذا الاتجاه الزهري والليث بن سعد وهو قول آخر حكي عن سعيد بن المسيب ، وإليه ذهب المالكية وهو مذهب جمهور الحنابلة .