313-7967- أَخْبَرَنِي عِمْرَانُ بْنُ بَكَّارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الرَّبِيعُ بْنُ رَوْحٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَجْلَانَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ:"الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ"قَالَ زَيْدٌ: فَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ: مَنْ تَعُولُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ: امْرَأَتُكَ تَقُولُ: أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ طَلِّقْنِي ، وَعَبْدُكَ يَقُولُ:"أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي"وَابْنُكَ يَقُولُ:"إِلَى مَنْ تَذَرُنِي" [1]
(1) - صحيح البخارى برقم ( 5355 و1426 و 1427 و 1428 و 5356 )
وفي شرح ابن بطال - (ج 14 / ص 32)
قال المهلب: النفقة على الأهل والعيال واجبة بإجماع، وهذا الحديث حجة في ذلك.
وقوله عليه السلام: « وابدأ بمن تعول » ، ولم يذكر إلا الصدقة يدل أن نفقته على من يعول من أهل وولد محسوب له في الصدقة، وإنما أمرهم الله أن يبدءوا بأهليهم خشية أن يظنوا أن النفقة على الأهل لا أجر لهم فيها، فعرفهم عليه السلام أنها لهم صدقة حتى لا يخرجوها إلى غيرهم إلا بعد أن يقوتوهم.
قال الطبرى: وقوله عليه السلام: « وابدأ بمن تعول » ، إنما قال ذلك؛ لأن حق نفس المرء عليه أعظم من حق كل أحد بعد الله، فإذا صح ذلك فلا وجه لصرف ما هو مضطر إليه إلى غيره، إذ كان ليس لأحد إحياء غيره بإتلاف نفسه وأهله، وإنما له إحياء غيره بغير إهلاك نفسه وأهله وولده، إذ فرض عليه النفقة عليهم، وليست النفقة على غيرهم فرضًا عليه، ولا شك أن الفرض أولى بكل أحد من إيثار التطوع عليه.
وفيه: أن النفقة على الولد ما داموا صغارًا فرض عليه؛ لقوله: إلى من تدعنى؟ وكذلك نفقة العبد والخادم للمرء واجبة لازمة.
قال ابن المنذر: واختلفوا في نفقة من بلغ من الأبناء ولا مال له ولا كسب، فقالت طائفة: على الأب أن ينفق على ولد صلبه الذكور حتى يحتلوا والنساء حتى يزوجن ويدخل بهن، فإن طلقها بعد البناء أو مات عنها فلا نفقة لها على أبيها، وإن طلقها قبل البناء فهى على نفقتها، ولا نفقة لولد الولد على الجد، هذا قول مالك.
وقالت طائفة: ينفق على ولده حتى يبلغ الحلم والمحيض، ثم لا نفقة عليه إلا أن يكونوا زمنى، وسواء في ذلك الذكور والإناث ما لم يكن لهم أموال، وسواء في ذلك ولده أو ولد ولده وإن سفلوا ما لم يكن لهم أب دونه يقدر على النفقة عليهم، هذا قول الشافعى.
وقال الثورى: يجبر الرجل على نفقة ولده الصغار غلامًا كان أو جارية، فإن كانوا كبارًا أجبر على نفقة النساء ولا يجبر على نفقة الرجال إلا أن يكونوا زمنى.
وأوجبت طائفة النفقة لجميع الأطفال والبالغين من الرجال والنساء إذا لم يكن لهم أموال يستغنون بها عن نفقة الوالد على ظاهر قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لهند: « خذى ما يكفيك وولدك بالمعروف » ، ولم يستثن ولدًا بالغًا دون طفل.
وقوله في حديث أبى هريرة: يقول الابن: أطعمنى إلى من تدعنى؟ يدل على أنه إنما يقول ذلك من لا طاقة له على الكسب والتحرف، ومن بلغ سن الحلم فلا يقول ذلك؛ لأنه قد بلغ حد السعى على نفسه والكسب لها، بدليل قوله تعالى: {حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشدًا فادفعوا إليهم أموالهم} [النساء: 6] ، فجعل بلوغ النكاح حدًا في ذلك.
واختلفوا في المعسر هل يفرق بينه وبين امرأته بعدم النفقة؟ فقال مالك، والليث، والأوزاعى، والشافعى، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: إذا أعسر بالنفقة، فللزوجة الخيار بين أن تقيم عليه، ولا يكون لها شىء في ذمته أصلًا، وبين أن تطلب الفراق فيفرق الحاكم بينهما، وقاله من الصحابة عمر، وعلى، وأبو هريرة، ومن التابعين سعيد بن المسيب، وقال: إن ذلك سنة.
وقالت طائفة: لا يفرق بينهما ويلزمها الصبر عليه وتتعلق النفقة بذمته بحكم الحاكم، هذا قول عطاء، والزهرى، وإليه ذهب الكوفيون والثورى، واحتجوا بقوله تعالى: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] ، فوجب أن ينظر حتى يوسر، وبقوله: {وأنكحوا الأيامى منكم} إلى {يغنهم الله} [ النور: 32] ، فندب تعالى إلى إنكاح الفقير، فلا يجوز أن يكون الفقر سببًا للفرقة، وهو مندوب معه إلى النكاح.
واحتج عليهم أهل المقالة الأولى بقوله عليه السلام في حديث أبى هريرة: إما أن تطعمنى، وإما أن تطلقنى، وهذا نص قاطع في موضع الخلاف، وقالوا أيضًا: أما قوله: {إن يكونوا فقراء يغنهم الله} [النور: 32] ، لم يرد الفقير الذى لا شىء معه أصلًا، وإنما المراد الفقير الذى حالته منحطة عن حالة الغنى، بدليل أنه ندبه إلى النكاح، وأجمعوا أنه من لا يقدر على نفقة الزوجة غير مندوب إلى النكاح ولا مستحب له.وأما قوله: {وإن كان ذو عسرة فنظرة إلى ميسرة} [البقرة: 280] ، فإنما ورد في المداينات التى تتعلق بالذمم، واحتجوا بقوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا} [البقرة: 231] ، وإذا لم ينفق عليها فهو مضر بها، فوجب عليه الفراق إن طلبته، فإن قال الكوفيون: لو كان قوله تعالى: {ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا} ، نهيًا واجبًا لم يجز الإمساك وإن رضيته، فيقال لهم: قامت دلالة الإجماع على جواز إمساكهن إذا رضين بذلك، وأما الإعسار فلو أعسر بنفقة خادم أو حيوان له، فإن ذلك يزيل ملكه عنه ويباع عليه، كذلك الزوجة، وأيضًا فإن العنين يجبر على طلاق زوجته إذا لم يطأ، والوطء لمدة يمكن الصبر على فقدها ويقوم بدن المرأة بعدمها، والصبر عن القوت ليس كذلك فصارت الفرقة أولى عند عدم النفقة.