ولسنا نريد بقولنا"القبض فاسد"بمعنى: أنه لا تبرأ ذمة الدافع عما دفعه ، وإنما نريد أن القول قول القابض فيما يدعيه من نقصانه ، قليلا كان أو كثيرا ، وأن لا يصح تصرفه فيه بذلك القبض ؛ لأنه قبضه جزافًا .
فإن اشترى عشرة أقفزة من صبرة فاكتالها ، أو كان له في ذمة إنسان عشرة أقفزة من قرض أو سلم أو إتلاف فقبضها كيلا ، ثم ادعى القابض أنها تسعة ، وأنهما غلطا في الكيل ؛ فقال القاضي: يخرج على الروايتين في اختلافهما في العيب الذي يمكن حدوثه قبل البيع وبعده ، فكذلك هاهنا يخرج على وجهين:
أحدهما: القول قول القابض ؛ لأن الأصل أن ذمة البائع مشغولة بالمبيع حتى تثبت براءتها .
والثاني: القول قول البائع ؛ لأنه قد أقبض في الظاهر ما عليه ، وبرأت ذمته ، ومدعي النقصان يدعي خلاف الظاهر ، فلا تقبل منه إلا ببينة .
هذا إذا كان المقبوض مفقودا ، أو قد ذهب بعضه واختلفا في بقائه على حاله ، فإن اتفقا في بقائه على حاله وأنه لم يذهب منه شيء ، أو قامت بذلك بينة: اعتبر بالكيل ؛ فإن كان وفق الحق ، أو زاد أو نقص يسيرا يتغابن الناس في مثله في كيل ذلك: فالزيادة للبائع والنقصان عليه .
وكذلك إذا اشترى طعاما كيلا ، ثم باعه من آخر كيلا ، فنقص ما لا يتغابن الناس بمثله في كيل مثله: فالنقص على البائع الأول ،وإن زاد كذلك: فله ؛ لأنه قد ثبت الغلط في الكيل الأول .
وإن زاد أو نقص يسيرا يتغابن الناس بمثله في ذلك: فلا شيء على البائع الأول ، والزيادة للمشتري الثاني .