وهكذا، فإنّ النزاع حول تفسير نشوء الحضارة الإسلاميّة هو في حقيقة الأمر وبالدرجة الأولى حول الإسلام نفسه. وبتعبير آخر، هو نزاع بين من يؤمن بالإسلام دينًا أوحاه الله إلى رسوله- صلى الله عليه وسلم -، وبين من ينكر ذلك الوحي، ويرى بالتالي أنّ ما أتى به الإسلام لا يعدو كونه إبداعًا تضافرت على إنجازه عبقريّة محمّد وصحابته والمسلمين من بعدهم مع البيئة والمؤثِّرات الحضاريّة والعوامل التاريخيّة العديدة. وبالتالي فإنّه من الخطأ أن يفترض الباحث احتمال اتّفاق هذين الفريقين على تفسير نشوء الحضارة الإسلاميّة. إذ كلّ منهما يبني نظرته على أساس مغاير للآخر. فالموقف من رسالة الإسلام - المَعين الّذي نبعت منه الحضارة الإسلاميّة- هو الأساس في بحث هذه المسألة. هذا إذا تغاضينا عن العداء التاريخيّ والتقليديّ الّذي تأصّل في نفوس الغربيّين تجاه الإسلام والأمّة الإسلاميّة. يقول"برنارد لويس": «لا تزال آثار التعصّب الدينيّ الغربيّ ظاهرة في مؤلَّفات عدد من العلماء المعاصرين ومستترة في الغالب وراء الحواشي المرصوصة في الأبحاث العلميّة» (1) . ويقول"نورمان دانييل": «على الرغم من المحاولات الجديّة المخلصة الّتي بذلها بعض الباحثين في العصور الوسطى والحديثة للتحرّر من المواقف التقليديّة للكتاّب النصارى من الإسلام فإنهّم لم يتمكّنوا أن يتجرّدوا منها تجرّدًا تامًا» (2) .
(1) - نقلًا عن: محمود زقزوق - الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الحضاريّ - كتاب الأمّة،قطر - طبعة أولى 1983 - ص 73
(2) - نقلًا عن المرجع السابق - ص 73