وهكذا، وعلى أساس ما مضى من آراء، فإنّ المصادر الّتي استقى منها محمّد"إسلامه"ستتراوح في استمدادها، بين أهل الكتاب والمتحنّثين الحنفاء من العرب والأديان الفارسيّة والهنديّة وغيرها . ولنبق مع غوستاف لوبون الّذي يكرّر المعزوفة المعتادة لدى الغربيّين حول تعلّم"محمّد الشابّ"علم التوراة من راهب نسطوريّ تعرّف عليه في دار نصرانيّ في بصرى و"يفترض"أنّ محمّدًا حين سافر بالتجارة إلى الشام بعد ذلك في سنّ الرجولة تيسّر له الاجتماع «مرّة ثانيّة بالراهب الّذي أطلعه على علم التوراة سابقًا» (1) . وهكذا يصل إلى أنّ الإسلام إنّما هو نسخة جديدة اصطنعها محمّد عن الديانتين النصرانيّة واليهوديّة، إذ يقول: «وتقرب فكرة الكون الفلسفيّة في القرآن ممّا في الديانتين الساميّتين العظيمتين الّلتين ظهرتا قبل الإسلام، أي اليهوديّة والنصرانيّة، وزُعم أنّ العنعنات الآريّة الفارسيّة أو الهنديّة ذات نصيب ظاهر في النصرانيّة والإسلام، ونحن نرى النفوذ الآريّ في الإسلام ضعيفًا جدًّا (…) وكان من مقاصد محمّد أن يقيم دينًا سهلًا يستمرئه قومه، وقد وفّق لذلك حين أخذ من الأديان الأخرى ما يلائمهم، ولم يفكِّر محمّد في إبداع دين جديد قطّ، وهو الّذي أعلن أنّه يسير على غرار من تقدّمه من أنبياء بني إسرائيل من إبراهيم إلى عيسى عليه السلام قائلًا إنّ ما أوحي إليهم صحيح، والحقّ أنّ اليهوديّة والنصرانيّة والإسلام فروع ثلاثة لأصل واحد ، وأنّها ذات قربى وشيجة» (2) . كما أنّ محمّدًا - وفق رأي لوبون - لم يكن في إعلانه لرسالته إلاّ معبّرًا عن شوق العرب وتوقهم إلى دين جديد، فيقول: «ونشأ عن وحدة لغة العرب وحشر آلهتهم في الكعبة إمكان صهر عبادات هذه الآلهة وتحويلها إلى عبادة إله واحد، ومما يسّر هذا الصهر تكلّم عبّاد هذه الآلهة الكثيرة بلغة واحدة . والحقّ أنّ وقت جمع العرب على
(1) 2- المرجع السابق - ص 102- 103
(2) 3- المرجع السابق - ص 117-118