إنّ المؤرّخ الّذي ينتمي إلى الحضارة الإسلاميّة،ويعدّ نفسه من حملة لوائها والعاملين على إحيائها،يجب أن ينأى بنفسه عن هذه النظرة الأنانيّة المتعالية والخالية من حسّ المسؤوليّة. فهو يرى أنّ الحضارة الإسلاميّة -بوصفها طريقة العيش الّتي رسمها الإسلام- لا تقبل الامتزاج والتزاوج بينها وبين سائر الحضارات، إذ لكلّ من هذه الحضارات وجهتها في الحياة وطريقتها في العيش ومفاهيمها عن الأشياء وقيمها الخاصّة وأهدافها الكبرى ومثلها العليا. ولمّا كانت الحضارة الإسلاميّة حضارة مكتملة الأركان شاملة الجوانب مستجيبةً لكافّة مواقف الحياة واستحقاقاتها منذ أن اكتمل الدين الإسلاميّ في عهد النبوّة،كانت غنيّة عن غيرها.بل إنّ أيًّا من المؤثِّرات الحضاريّة حين يدخل إلى مجتمعها يكون عنصرًا غريبًا, سيفتك بهذا المجتمع إن عاجلًا أو آجلًا. ولندَع الكلام لأحد كبار المستشرقين الغربيّين ليعبّر عن هذا المعنى بتعابير مختصرة. يقول"برنارد لويس": «عندما تصطدم حضارتان تسيطر إحداهما وتتحطّم الأخرى. قد ينبري المثاليّون والمفكّرون فيتحدّثون بطلاقة وسهولة عن تزاوج بين أحسن العناصر من الحضارتين، إلاّ أنّ النتيجة العاديّة في هذا التلاقي هي تعايش بين أسوأ العناصر من الاثنتين» (1) .
هذا لا يعني أنّ الحضارة الإسلاميّة يجب أن تنكفئ على نفسها فلا تواجه سائر الحضارات ولا تحتكّ بها. بل واجبها أن تنزل إلى ميدان الصراع الحضاريّ، لتقوم بدورها المرسوم لها، { وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النّاس بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى العَالَمِين } (2) . إلاّ أنّ المهمّة الموكلة بها هي أن تؤثِّر لا أن تتأثّر، أن تقتحم لا أن يُقتحم عليها. هذه بالتأكيد وجهة النظر الذاتيّة للحضارة الإسلاميّة، ولا يمكن لغير أتباعها أن يتقبّلوا هذا التفكير .
(1) - الغرب والشرق الأوسط - ص60
(2) - سورة البقرة - الآية 251