إنّ هذه الدراسة لا تدّعي أنّ المجتمع الإسلاميّ -وهو النموذج الحيّ والكيان التاريخي للحضارة الإسلاميّة- بقي خاليًا من تلك المؤثِّرات والعناصر الحضاريّة الدخيلة. بل هذه العناصر هي ما ستتقصاه الفصول المقبلة منها. إلاّ أنّها تتنبَّه وتُنبِّه إلى قاعدة أساسيّة: وهي أنّه لا يجوز أن تُنسب هذه العناصر والمؤثِّرات إلى الحضارة الإسلاميّة لمجرّد أنّها تسلّلت إلى المجتمع الإسلاميّ، وأنّ هذه العناصر لا يمكن أن تُعدّ بشكل من الأشكال عوامل ازدهار وارتقاء في المجتمع الإسلاميّ. فالمجتمع الإسلاميّ هو كائن حيّ، تسري الحضارة الإسلاميّة في عروقه وتغذّي أعضاءه بأسباب الحياة، ويستمدّ منها أسباب الصحّة والعافية. إلاّ أنّ هذا الكائن الحيّ يعيش في بيئة مليئة بالكائنات العضويّة الأخرى، فمن الطبيعيّ أن يتأثّر بها وأن تتسلّل إلى أعضائه كلّما غفل عن رعاية نفسه وإتقان اغتذائه، فتكون بعض هذه العضويّات من عوامل ضعفه وانتكاسه في الحال أو الأجل القريب أو البعيد. إلاّ أنّها في كلّ الأحوال شيء آخر غير روح ذلك الكيان ودمه، أي هي شيء آخر غير الحضارة الإسلاميّة. وعلى حدّ تعبير"محمّد أسد": «فكما لا تستطيع كلّ مؤثِّرات البيئة أن تغيِّر بنية الطفل وخصائص تكوينه في أساسه وجوهره من يوم لفظته أحشاء أمّه إلى هذه الحياة الدنيا، فكذلك لا تستطيع المؤثِّرات الطارئة المتأخّرة الّتي اعترت حضارة الإسلام أن تغيّر من خصائصها الأولى أيّ تغيير أساسيّ، فكان جلّ ما أصابته هذه المؤثِّرات هو تغطية هذه الخصائص والمقوّمات أو تعطيلها إلى حين» (1) .
(1) - الإسلام والتحدي الحضاريّ - ص 23