هكذا، وانقيادًا لمنهج القرآن الكريم،ولمّا وجد المسلمون أنفسهم أمام مدارس وتيّارات فلسفيّة تسند أديان أهل البلاد المفتوحة، كان لا بدّ لهم من الاطّلاع على أبحاث هذه المدارس وتيّاراتها لنقضها، وتركيز العقائد والأفكار الإسلاميّة بدلًا عنها. كما قام بعض أهل الأديان بالمقابل بوضع دراسات يعرضون فيها آراء الإسلام، ويُتبعونها بآرائهم للردّ عليها. فمن بين العلماء النصارى الّذين أظهروا في وقت مبكّر اهتمامًا بدراسة الإسلام -لا من أجل اعتناقه، وإنّما من أجل حماية إخوانهم النصارى منه- كان العالم النصرانيّ يوحنّا الدمشقيّ (676-749م) . ومن بين مصنّفاته في هذا الصدد لإخوانه في الدين كتاب (محاورة مع مسلم) وكتاب (إرشادات النصارى في جدل المسلمين) . وكانت كتابته على نحو: إذا قال لك المسلم كذا فأجبه بكذا (1) .
إنّ هذه الحركة الفكريّة نشطت بشكل واضح بعد استقرار الفتوح الإسلاميّة، ولا سيّما في العهد الأمويّ. إلاّ أنّ العصر العبّاسيّ جعل النشاط الثقافيّ يبلغ الذروة في غزارته وحيويّته وسعته، وذلك بفضل حركة الترجمة والتصنيف الّتي بدأت تظهر في العهد الأمويّ على نطاق ضيّق وبلغت أوجها في العهد العبّاسيّ .
(1) - انظر: الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الحضاريّ- ص 19 - وانظر أيضًا: فجر الإسلام - ص 134