فهرس الكتاب

الصفحة 215 من 301

من هنا نقول: إنّ التعامل مع أبحاث المنطق لا يعني بالضرورة تعاملًا مع الفلسفة، وإن كان من المحتمل أن يؤدّي إلى ذلك، وقد أدّى إليه بالفعل بنسب متفاوتة لدى مثقّفي المجتمع الإسلاميّ كما سنرى فيما بعد. إلاّ أنّ السؤال الّذي آن أوان الإجابة عليه هو: هل اعتمد علماء الكلام منطق"أرسطو"في أبحاثهم العقديّة؟ أم أعرضوا عنه؟ أم استفادوا منه مجرّد استفادة؟

إنّ المدقّق في بداية نشأة المذاهب الكلاميّة مع"جهم بن صفوان"و"واصل بن عطاء"و"عمرو بن عبيد"، وما أدلوا به من آراء وما استدلّوا به على آرائهم من أدلّة، لا يستطيع أن يحكم بوجود منهج منطقيّ وفق الطريقة اليونانيّة، بل وحتّى في مناقشات الجيل التالي من علماء الكلام. وإنّما نجد استدلالاتهم مزيجًا من الأدلّة النقليّة والأدلّة العقليّة الّتي لا ترتبط بالضرورة بمنهج المنطق اليونانيّ. كما نجد أنّهم تأثّروا بالآراء الّتي كانت منتشرة بين التابعين -أي جيل ما بعد الصحابة- الّذين لم يكونوا على صلة تذكر بالثقافات الأجنبيّة، ولا سيّما الفلسفة والمنطق اليونانيّين. وبالتالي يفتقر الرأي القائل بأنّ نشأة المذاهب الكلاميّة تعزى إلى التأثّر بالمنطق أو المؤلّفات الفلسفيّة اليونانيّة، إلى مزيد من الأدلّة والشواهد. (1)

إلاّ أنّه ممّا لا شكّ فيه -كما يقول"عليّ سامي النشّار"- «أنّ مدرسة واصل عاصرت حركة الترجمة الّتي بلغت أوجها في عهد المأمون، وأنّ من المرجّح أنّه حين شرع أصحاب واصل بن عطاء في مطالعة كتب الفلسفة عرفوا المذاهب الفلسفيّة، يونانيّة كانت أو غنوصيّة أو مسيحيّة» (2) .ومنذ هذه المرحلة يجدر بنا تلمّس احتمال دخول عناصر من المنطق اليونانيّ إلى أبحاث علم الكلام. فهل حصل ذلك؟

(1) - انظر: نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام -ج1 - ص 407 وما بعدها

(2) - المرجع السابق - ج1 - ص 408

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت