إلاّ أنّ الأمر لم يستمرّ على هذا النحو. إذ لم يمض القرن الخامس إلاّ وقد أصبح المنطق اليونانيّ -بوصفه قوانين مجرّدة للتفكير- معتمَدًا لدى كثير من المتكلّمين. وأوّل من فتح هذا الباب على مصراعيه هو الإمام"أبو حامد الغزاليّ". ولإيضاح هذه الحقيقة، لنعد إلى كلام"ابن خلدون"الّذي يتابع قائلًا: «ثمّ انتشرت من بعد ذلك علوم المنطق في الملّة وقرأه الناس وفرّقوا بينه وبين العلوم الفلسفيّة بأنّه قانون ومعيار للأدلّة فقط يسبر به الأدلّة منها كما يُسبر من سواها. ثمّ نظروا في تلك القواعد المقدَّمات في فنّ الكلام للأقدمين، فخالفوا الكثير منها بالبراهين الّتي أدلت إلى ذلك، وربّما أنّ كثيرًا منها مقتبس من كلام الفلاسفة في الطبيعيّات والإلهيّات… فصارت هذه الطريقة من مصطلحهم مباينة للطريقة الأولى، وتسمّى طريقة المتأخّرين، وربّما أدخلوا فيها الردّ على الفلاسفة فيما خالفوا فيه من العقائد الإيمانيّة وجعلوهم من خصوم العقائد لتناسُب الكثير من المذاهب المبتدعة ومذاهبهم. وأوّل من كتب في طريقة الكلام على هذا المنحى الغزاليّ رحمه الله… ولقد اختلطت الطريقتان عند هؤلاء المتأخِّرين، والتبست مسائل الكلام بمسائل الفلسفة بحيث لا يتميّز أحد الفنّين من الآخر ولا يحصل عليه طالبه من كتبهم» (1) .
وهذا ما يقرّره أيضًا الإمام"ابن تيميّة"، إذ ينفي أن يكون علماء المسلمين قبل"الغزاليّ"قد أخذوا منطق اليونانيّين، فيقول: «ما زال نظّار المسلمين لا يلتفتون إلى طريقهم، بل الأشعريّة والمعتزلة والكراميّة والشيعة وسائر الطوائف من أهل النظر كانوا يعيبون فسادها، وأوّل من خلط منطقهم بأصول المسلمين أبو حامد الغزاليّ» (2) .
(1) - المرجع السابق - ص 515 -516
(2) - مناهج البحث عند مفكّري الإسلام - ص93