فهرس الكتاب

الصفحة 239 من 301

ولا يبعد أن يكون أفول نجم المعتزلة روّاد الكلام الّذين تصدّوا-ضمن من تصدّوا لهم- للفلاسفة، هو الّذي أفسح الطريق أمام الفلسفة لتخرج من قمقمها. لذلك لم يلبث الرأس الّذي أطلّت به الفلسفة أن انقطع مع ظهور المذهب الأشعريّ. ولعلّ أبرز ما يميّز كلًّا من المدرستين الكلاميّتين عن الأخرى، أنّ المعتزلة كانوا يعيشون هاجس مواجهة التيّارات الدينيّة والقضاء على دسائس الشعوبيّة ورواسبها من زنادقة وأصحاب بدع، بينما انبرى الأشاعرة -بعد أن فرغ المعتزلة من القضاء على خصومهم- للتصدّي للفلسفة الّتي أطلّت برأسها نتيجة تداول الكتب اليونانيّة المترجمة. وهكذا لم يكد القرن الخامس يمضي حتّى كانت الحركات الفلسفيّة قد لاقت حتفها وهي تلتقط خلجاتها الأولى.

وفي كلّ الأحوال، لم يكن هؤلاء الفلاسفة يعبّرون يومًا من الأيام -ولا أدنى تعبير- عن الرأي العامّ. وإنمّا كانوا دومًا أفرادًا منعزلين-في فلسفتهم- عن فكر المجتمع وحسّه. ولم يكن لهم تأثير إلاّ على بعض الدوائر الضيّقة من المثقّفين. ذلك أنهّم كانوا في حقيقة الأمر يقدّمون الفلسفة بديلًا عن الدين أو ندًّا له، وهيهات أن يفلحوا في ذلك.

«هل استطاعت الروح اليونانيّة أن تكشف فكرة الخالق، وأن تتصوّر الخلق من لا شيء، وأن تؤمن ببعث جسديّ تعود فيه -إن تكلّمنا بلغتها- الصورة والمادّة؟ كيف يمكن أن يقال إذن: إنّ هذه الفتنة اليونانيّة، قد أقبلت إلى المجتمع الإسلاميّ، فبهرت الجموع، فاتخّذوها عنوانًا على حضارة اتخّذت مقوّماتها من تصوّرات قطعيّة تخالف تلك التصوّرات العقليّة الّتي بشّرت بها الفلسفة اليونانيّة؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت