«كان لا بدّ لهذه الفلسفة اليونانيّة أن تظهر على مسرح الوجود، عنوانًا على حضارة هذه الأمّة الآريّة الّتي علّمت الإنسانيّة جمعاء الكثير من أنماط الفكر وسياقاته، ولكن كان لها النسق الخاصّ بها، والخاصّ بها وحدها، المتّصل ببيئة المجتمع اليونانيّ. ولذلك حين قامت الروح الإسلاميّة بوضع فلسفتها المعبّرة عن حضارتها والمتّصلة ببنائها الاجتماعيّ، كان لا بدّ أيضًا من اختلاف عنيف ومن جدل قاس، وتعارُض في المنهج وفي المادّة، بينها وبين الفلسفة اليونانيّة» (1) .
لقد أدرك هذه الحقائق التاريخيّة الكبرى كلّ من نظر بموضوعيّة وتجرّد إلى المجتمع الإسلاميّ حتّى من المؤرِّخين الغربيّين أنفسهم. فممّا يقوله"أندريه ميكيل"، على سبيل المثال: «إنّ هذه الفلسفة لم تنجح في التغرير بالإسلام، سواء كان ذلك من باب الحيطة أو من باب التعمّد، فقد كانت هذه الفلسفة تهتمّ -مثل الإسلام- بالوصول إلى الجوهر، إن لم يكن إلى أشكال المطلق، وكان من الصعب على هذه الفلسفة الدمج بين أركان العقيدة ووضعيّة أرسطو، والاهتمامات الكونيّة والأخلاقيّة الأفلاطونيّة الجديدة. وكان التناقض أو الشكّ يحيط بمشاكل في مثل حدّة مسألة التوحيد وحياة الروح والجسد وكنه العمل الإلهيّ. لذلك ظلّت هذه الفلسفة في نظر الأغلبيّة العظمى من المؤمنين -وخاصّة السنيّين- فلسفة غريبة وخطرة، وكان أتباعها من الفلاسفة يُتّهمون بالشعوذة، بل وأحيانًا كانوا يخلطون في نفس الكراهية الموجّهة إلى الزنادقة» (2) .
(1) - نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام - ج1 - ص 102
(2) - الإسلام وحضارته - ص 215 - 216