فهرس الكتاب

الصفحة 259 من 301

ففضلًا عن موقف"الشافعيّ"الّذي مرّ معنا، نرى مثلًا الإمام"أحمد بن حنبل"-وهو النجم الساطع في سماء المجتمع الإسلاميّ- قد أُثرت عنه أقوال كثيرة في التنفير من بعض الّذين نُسبوا إلى التصوّف،فقد رُوي «أنّه سمع كلام الحارث المحاسبيّ، فقال لصاحب له: لا أرى لك أن تجالسهم» (1) .وقد أنكر"أحمد بن حنبل"على"الحارث"كلامه في التصوّف حتّى اختفى الحارث، ولمّا مات لم يحضر جنازته إلاّ أربعة (2) .

ولقد كانت العداوة أشدّ ما تكون بين الصوفيّة والحنابلة. ورمى الحنابلة الصوفيّة بالزندقة وأثاروا الناس عليهم، حتّى أدّى ذلك إلى ملاحقة السلطة للمتصوّفة، فكان من أشهر الحوادث في ذلك ما حصل سنة 262، حين أُمر بالقبض على عدد كبير من الصوفيّة بلغوا نيّفًا وسبعين، وانتهت المحنة بقتل بعضهم وهربِ بعضهم وتبرئة بعضهم (3) .

وكانت تشتدّ حملة الفقهاء على التصوّف والمتصوّفة كلّما ظهر أنّ هؤلاء يحملون أفكارًا تضاهي العقيدة الإسلاميّة وتتعارض معها،وكلّما ظهر أنّهم أصحاب بدع. وبالفعل، فقد بدأ هؤلاء ينتحلون آراء ومعتقدات أخذوها من هنا وهناك من الأديان والفلسفات والملل والنحل. فلم يكد يمضي القرن الثالث حتّى ظهر أنّ نوعًا من التصوّف الجديد -مختلف عن تصوّف"الحارث المحاسبي"و"الجنيد"- بدأ يطلّ برأسه بكلّ جرأة. وهو في حقيقته امتداد للتيّارات التصوّفيّة الفلسفيّة الّتي سبقت الإسلام تاريخيًّا، واحتكّ بها المسلمون في فتوحهم ومواجهاتهم الفكريّة والثقافيّة. فظهرت فكرة"الاتّحاد والحلول"وفكرة"وحدة الوجود"وفكرة"الكشف والإلهام"وفكرة"الفناء"، على ألسنة بعض المتصوّفة وفي أدبيّاتهم.

(1) - تلبيس إبليس - ص228

(2) - المرجع السابق - ص229 - وانظر أيضًا: البداية والنهاية - ج10 - ص342

(3) - انظر: ظهر الإسلام - ج1- ص 228-229

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت