وهذا النوع الأخير من التصوّف يسمّيه البعض بالتصوّف الفلسفيّ. فيرى"عليّ سامي النشّار"أنّه «يشمل مجموعة مختلطة من التفكير اليونانيّ، وبخاصّة الأفلاطونيّة المحدثة والمجموعة الهرمسيّة، ثمّ التفكير الشرقيّ الغنوصيّ من هنديّ وفارسيّ، ثمّ أمشاج من اليهوديّة والمسيحيّة والإسلام» (1) . ويقارن بين هؤلاء المتصوّفة وبين"فلاسفة الإسلام"، فيقول: «وكما حاول فلاسفة الإسلام أن يدخلوا عقائد اليونان الميتافيزيقيّة في عقول المسلمين، نرى بعض صوفيّة الإسلام يلجأون في التصوّف إلى بحث ميتافيزيقيّ تأثّر بكلّ ما حوله من فلسفات… أخذوا من الفيدا الهنديّ وأخذوا من الإشراقيّة الفارسيّة، واستمدّوا من الفيض الأفلاطونيّ، وتأثّروا بأفلاطون وأرسطو، ثمّ وجدوا مصدرًا هامًّا في المجموعات الهرمسيّة، وانتهوا إلى عقائد مختلفة، أهمّها عقيدة الحلول وعقيدة وحدة الوجود» (2) .
فمن النماذج الّتي يرويها لنا التاريخ، والّتي ظهرت في جوّ مصر،"ذو النون المصريّ"أحد مؤسّسي التصوّف، الّذي أحدث ضربًا من الكلام لم يُعرف قبل في مصر. فقد طلع على الناس بكلام لم يألفوه،من الكلام في الأحوال والمقامات والحبّ الإلهيّ، وأنّ مصادر المعرفة النقل والعقل، وشيء آخر زاده هو،وهو الكشف، وأنّ هناك علمًا ظاهرًا وعلمًا باطنًا. وكان طبيعيًا أن تلاقي هذه التعاليم معارضة من الفقهاء الّذين يرفضون القول في الدين بغير دليل معتبر. فكان على رأس المعارضين له"عبد الله بن الحكم"شيخ المالكيّة، و"ابن الليث"قاضي مصر الحنفيّ. فكلاهما لم يرض عن"ذي النون"وتعاليمه، فاضطهد واتُّهم بالزندقة، وأخيرًا أُرسل إلى دار الخلافة ببغداد فسجن حتّى مات سنة245 (3) .
(1) - نشأة الفكر الفلسفي - ج1 - ص 47
(2) - المرجع السابق - ج1 - ص 53
(3) - انظر: ظهر الإسلام - ج1 - ص 169