إنّ هذه النماذج الصوفيّة، وإن اتّخذت من بعض النصوص القرآنيّة والنبويّة غطاء لها ومنطلقًا لآرائها، كانت بطبيعة أفكارها وممارساتها وطقوسها غريبة عن فكر المجتمع الإسلاميّ وحسّه، لذلك نظر إليها بارتياب وشكّ بالغَيْن. وقد عزّز هذا الموقفَ التحفّظُ الشديد الّذي أبداه الفقهاء على تلك الجماعات. لذلك لم يستطع التصوّف آنذاك أن يصبح ظاهرة عامّة، وإنّما بقي مقتصرًا على بعض الدوائر المتناثرة هنا وهناك بين شرائح المجتمع. بل لقد فطن كثير من المثقّفين إلى أنّ هذه الجماعات ما هي إلاّ صدى لثقافات وحضارات وأديان كانت منتشرة في العالم الإسلاميّ قبل الفتح، ولا زالت موجودة لدى أهل الأديان والملل الّذين خضعوا للدولة الإسلاميّة أو في بلاد مجاورة لم يصل إليها سلطان الإسلام، والّتي احتكّ بها المسلمون بشكل أو بآخر. كما أنّ انتشار كتب الفلسفة المترجمة إلى العربيّة كان وسيلة سهلة لاطّلاع كثير من المثقّفين على التيّارات والآراء المختلفة، فتأثّر قسم غير قليل منهم بها، وكان التصوّف من أهم المذاهب الّتي تأثّر بها هؤلاء. والأمر الّذي يسترعي الانتباه هنا، أنّ التصوّف هو من الأفكار القليلة الّتي نالت حظًّا في شتّى الثقافات، فهي منبثّة في التراث الهنديّ والفارسيّ واليونانيّ وفي الديانتين اليهوديّة والنصرانيّة. وفضلًا عن ذلك كلّه، فإنّه ما من شكّ أنّ الظروف الفكريّة والنفسيّة والأوضاع الثقافيّة، لدى بعض شرائح المجتمع الإسلاميّ آنذاك، كانت تربة خصبة لهذا النوع من التأثّر.
ومن أبرز الّذين فطنوا إلى تلك الصلة، بين جماعات التصوّف والمؤثِّرات الحضاريّة الأجنبيّة، الموسوعي النابغة"أبو الريحان البيرونيّ" (1)
(1) - أبو الريحان البيرونيّ (362-440هـ)
محمّد بن أحمد،أبو الريحان البيرونيّ الخوارزمي: رياضيّ مؤرّخ، من أهل خوارزم. أقام في الهند بضع سنين، ومات في بلده. اطلع على فلسفة اليونانيّين والهنود، وعلت شهرته، وارتفعت منزلته عند ملوك عصره. وصنّف كتبًا كثيرة جدًا، متقنة، من أهمّها"الآثار الباقيّة عن القرون الخاليّة"و"تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة"…… (الزركليّ)