الّذي عاش في القرن الرابع الهجريّ، والّذي وصل، بعد اطّلاع واسع على الثقافة الهنديّة ومعايشة حيّة للمجتمع الهنديّ، إلى أنّ تلك الثقافة كانت المؤثِّر الأكبر في جماعات التصوّف. وقد توسّع في كتابه"تحقيق ما للهند من مقولة"في ضرب الأمثلة الّتي تقوم شاهدًا على ذلك التأثّر. بل إنّه يذهب إلى حدّ القول بأنّ الفلسفة اليونانيّة نفسها قد تأثّرت بتصوّف الهنود، وكذلك المسيحيّة.
ففيما يتعلّق بفكرة"الحلول والاتّحاد"يرى أنّ الطبيعيين اليونان والهنود يتّفقون في تفسير الوجود بالوحدة، «أنّ الأشياء كلّها شيء واحد» ، وأنّ الإنسان لم يتميّز عن الأحجار والجماد إلاّ بالقرب من العلّة الأولى بالرتبة، وإلاّ فهو هو، وأنّ الوجود الحقيقي للعلّة الأولى فقط، وأنّ الوجود شيء واحد فقط، وأنّ العلّة الأولى تتراءى فيه بصور مختلفة وتحلّ قوّتها في أجزائه بأحوال متباينة توجب التغاير، مع الاتّحاد به في حقيقة الأمر. ويرى «أنّ قدماء اليونانيّين، قبل نجوم الحكمة فيهم…وتهذّب الفلسفة عندهم… كانوا على مثل مقالة الهند، وكان فيهم من يرى أنّ الأشياء كلّها شيء واحد… وهذا رأي السوفيّة، وهم الحكماء، فإنّ"سوف"باليونانيّة الحكمة، وبها سمّي الفيلسوف"بيلاسوبا"أي محبّ الحكمة. ولمّا ذهب في الإسلام قوم إلى قريب من رأيهم سُمّوا باسمهم» ، ويضيف: «وكذلك ذهبوا إلى أنّ الموجود شيء واحد، وأنّ العلّة الأولى تترايا فيه بصور مختلفة وتحلّ قوّتها في أبعاضه بأحوال متباينة توجب التغاير مع الاتّحاد، وكان فيهم من يقول: إنّ المنصرف بكلّيّته إلى العلّة الأولى متشبّها بها على غاية إمكانه يتّحد بها عند ترك الوسائط وخلع العلائق والعوائق، وهذه آراء يذهب إليها الصوفيّة لتشابه الموضوع» (1) .
(1) - المصدر السابق - 25