فهرس الكتاب
فالإنجازات المادّيّة الّتي تنتجها أمّة من الأمم ليست هي الّتي تميّزها عن غيرها من المجتمعات وليست هي الّتي تعطيها هويّتها.فهذه أشكال ووسائل"حياديّة"، وعامّة لكلّ البشر والمجتمعات. فإنّنا نجد أنّ المجتمعات الّتي تتمسّك بحضارتها وطريقة عيشها تقف بالمرصاد أمام كلّ وافد من الأفكار والأنظمة ووجهات النظر في الحياة، إلاّ أنّها تستفيد في الوقت نفسه ممّا ينتجه أيّ شعب أو مجتمع من الأشكال والوسائل المادّيّة ما لم تكن تلك الأشكال والوسائل متعارضة مع حضارتها الّتي تصوغ مجتمعها وتميّز طريقة عيشها. بل إنّك تجد الدولة الراقية الّتي تتمسّك بحضارتها وتفتخر بها حريصة على مواكبة كلّ ما يتمّ إنجازه في البلاد الأخرى من الاختراعات والمبتكرات الفنّيّة والتقنيّة والعلميّة، إذ هي من أسباب القوّة الّتي تحرص الأمّة الراقية على امتلاكها. إلاّ أنّ هذه الإنجازات والمبتكرات من الأشكال والوسائل المادّيّة ليست هي الّتي تطبع المجتمع بطابعه الخاصّ وهوّيته المتميّزة.
كلّ ذلك يحتّم علينا أن نضبط المصطلح الدالّ على نمط العيش وهويّة المجتمع، فنميّز بينه وبين ما يدلّ على مجموعة الأشكال والوسائل المادّيّة المحسوسة المستعملة في شؤون الحياة، والّتي هي عامّة لجميع الشعوب والمجتمعات. وبالتالي فإنّنا نخصّص كلمة"الحضارة"للدلالة على ما يميّز المجتمع فيجعل له طريقة خاصّة في العيش، ونجعل كلمة"المدنيّة"دالّة على الوسائل والأشكال المادّيّة المستعملة في شؤون الحياة.