فهرس الكتاب

الصفحة 281 من 301

وبالرجوع إلى واقع المجتمعات وما يجعلها مجتمعات ذات لون معيّن ونمط خاصّ في العيش،نجد أنّ مجموعة"الأفكار والمشاعر والأنظمة"لدى مجتمع ما هي الّتي تعطيه هويّته وشخصيّته وتجعل له طرازًا خاصًّا في العيش. إذ إنّ تلك المنظومة الثقافيّة هي الّتي تكيّف علاقات الناس فيما بينهم في المجتمع، وما المجتمع إلاّ ناس قامت بينهم علاقات دائميّة، وطبيعة هذه العلاقات في المجتمع هي الّتي تعطيه هويّته وشخصيّته. وبناء عليه يمكن تعريف الحضارة بأنّها"منظومة الأفكار والمشاعر والأنظمة لدى مجتمع من المجتمعات".

والناظر في مجمل الحضارات والأفكار الّتي سادت الشعوب عبر التاريخ، يجد ظاهرة جديرة بالاهتمام، يحسن التوقّف عندها لدراستها مليًّا. وهي تأثّر تلك الحضارات بعضها ببعض، أو انبثاق بعضها من بعض. وقد تكون بعض الحضارات امتدادًا لتلك الّتي سبقتها، إلاّ أنّها تميّزت عنها بسمات جديدة وميزات أخرى.

فحين نقول إنّ الحضارة هي مجموع الأفكار والمشاعر والأنظمة لدى المجتمع، فهذا يعني أنّها منظومة ثقافيّة واسعة، تتناول مختلف نواحي الحياة والمجتمع، من حكم واقتصاد واجتماع وقانون وسياسة وفنّ وغير ذلك. فإذا كانت تلك الثقافة الّتي هي نتاج العقول أو الأذهان البشريّة متأثّرة بالواقع والبيئة الّتي تعيش فيها، فإنّنا سنصل بالتأكيد إلى حتميّة تأثّر الحضارات بعضها ببعض، سواء تأثّرًا إيجابيًّا أو تأثّرًا سلبيًّا. فمن الطبيعيّ أن يتأثرّ المفكّر أو المبدع بالأفكار الّتي تحيط به والأوضاع الّتي يعيش فيها والظروف الّتي تلابسه وهو يفكّر، فيخرج بأفكار ونظريّات هي إمّا من جنس الأفكار الّتي تحيط به، وإمّا ردّ فعل عكسيّ إزاءها، وفي كلا الحالين هو متأثّر بها. وهذا ما يفسّر لنا ظاهرة تأثّر الحضارات بعضها ببعض.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت