فهرس الكتاب
إنّ الحضارة الإسلاميّة الّتي أحدثت ذلك الانقلاب في الجزيرة العربيّة وسائر البلاد الّتي دخلت حظيرتها بدأ انتشارها منذ إعلان محمّد- صلى الله عليه وسلم - لها في مكّة قلب الجزيرة العربيّة، وآتت ثمارها بعد ثلاثة عشر عامًا من ولادتها، حين ارتكزت في المدينة المنوّرة"يثرب"، ثمّ انتشرت بعد ذلك بعشر سنوات في كلّ الجزيرة العربيّة، لتتابع بعد ذلك مسيرتها في سائر العالم القديم. ولم يمض قرن واحد إلاّ وقد أصبحت تظلّل مساحة شاسعة تمتدّ من الصين شرقًا إلى الأطلسيّ غربًا، حيث طوت صفحة كلّ الحضارات السابقة في تلك البلاد من فارسيّة وبيزنطيّة وهنديّة وغيرها إلى غير رجعة. فلئن قامت كلّ الحضارات الأخرى ونشأت رويدًا رويدًا من تراث الماضي بما حوى من ضروب الرأي وتيّارات الفكر، واستغرقت في تبلورها إلى شكلها الخاصّ وكيانها المحدّد آمادًا طويلة من الزمن، فلقد انفردت حضارة الإسلام وحدها بانبجاسها إلى الحياة دون سابق عهد أو انتظار. وقد جمعت هذه الحضارة، من فجر نشأتها، كلّ المقوّمات الأساسيّة لحضارة مكتملة شاملة. فقامت في مجتمع واضح المعالم، له نظرته الخاصّة إلى الحياة، وله نظامه التشريعيّ الكامل وله نهجه المحدّد للعلاقات بين الأفراد،بعضهم ببعض داخل هذا المجتمع. ولم يكن قيامها ثمرة تقاليد زخر بها الماضي، ولا وليد تيّارات فكريّة متوارثة، ولكنّ هذه الحضارة، كانت وليدة حدث تاريخيّ فريد وهو تنزيل القرآن الكريم.
فما مدى استمرار ذلك النقاء في الثقافة الإسلاميّة من بعد عهد النبوّة؟