فهرس الكتاب
لم يتوف… الرسول - صلى الله عليه وسلم - إلاّ بعد أن اكتمل بنيان الحضارة الإسلاميّة، ونزل قوله تعالى: { اليَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِينًا } (1) . فرحل النبيّ - صلى الله عليه وسلم - بعد أن أقام مجتمعًا إسلاميًّا نموذجيًّا، يختلف كلّ الاختلاف عن سائر مجتمعات المعمورة، ولا يمتّ لها بأيّة صلة قرابة.
بعد وفاة الرسول - صلى الله عليه وسلم -، تابع الصحابة الكرام المسيرة، فبايعوا خلفاء يحكمونهم بكتاب الله وسنّة رسوله ويرعون شؤونهم بالأنظمة الّتي انبثقت عن العقيدة الإسلاميّة. وكان الخلفاء الراشدون حريصين أشدّ الحرص على الحفاظ على نقاء الإسلام وصفائه وبراءته من أيّ عنصر دخيل. حتّى إنّ اتّساع الدولة الإسلاميّة وترامي أطرافها لم يُغْرِهم باقتباس الأفكار وأنظمة الحكم والاقتصاد. ففرّقوا بين"الحضارة"و"المدنيّة"وكذلك بين الثقافة والعلوم. وفرّقوا بين أنظمة الحكم والقوانين الإداريّة. فرفضوا الحضارات والثقافات وأنظمة الحياة كلّها ما دامت من غير الإسلام، وأخذوا ما يلزمهم من المدنيّة والعلوم والقوانين الإداريّة، وذلك كما فعل عمر بن الخطّاب حين أخذ نظام الدواوين الّذي لم يكن أكثر من أسلوب إداريّ كالدوائر والإدارات والسجلاّت الّتي تضمن حسن تطبيق النظام الّذي تبنّته الدولة.
وقد حافظ الفكر الإسلاميّ على نقائه طوال عهد الخلفاء الراشدين. وكذلك من بعدهم إلاّ أنّه خلال العهد الأمويّ بدأت بعض العناصر تتسرّب إلى أذهان المسلمين فيخلطونها بالإسلام.
(1) - سورة المائدة - الآية3