فهرس الكتاب

الصفحة 286 من 301

من أوائل المحاولات لاختراق الفكر الإسلاميّ كانت عمليّات دسّ الأحاديث. فقد عمد أعداء الإسلام إلى الأحاديث النبويّة يدسّون فيها أحاديث مكذوبة لم يقلها الرسول- صلى الله عليه وسلم - ولكنّهم زوّروها وضمّنوها معاني غير إسلاميّة ومفاهيم تناقض الإسلام، حتّى يأخذها المسلمون ويعملوا بما فيها فيبعدوا عن الإسلام. وبالفعل كذبوا على الرسول- صلى الله عليه وسلم - أحاديث وأشاعوها بين الناس. غير أنّ المسلمين فطنوا لهؤلاء وقضوا على مؤامراتهم، فهبّ العلماء ورواة الحديث يجمعون الحديث ويضعون تاريخ رواته وأوصافهم ويبيّنون الحديث الصحيح من الضعيف من المكذوب، حتّى حُفظ الحديث, وحصر الرواة وعرف كلّ واحد منهم، وبُيّنت طبقات كتب الحديث، حتّى أصبح بإمكان المسلم إذا تتبّع الحديث أن يعرف صحّته من ضعفه أو كذبه، بمعرفة سنده ومتنه. وفوق ذلك فإنّ الدولة الإسلاميّة ضربت على يد هؤلاء الزنادقة بيد من حديد، حتّى كان جزاء الكثيرين منهم القتل جزاء على افترائهم الأحاديث على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وبذلك لم يكن لهذه المؤامرة على الإسلام ولا على ثقافته أثر يذكر. ولكنّ الخطر داهم الثقافة الإسلاميّة من طريق آخر.

حدث ذلك حين بدأ الاحتكاك الفكريّ بالشعوب الّتي فتح المسلمون بلادها، من روميّة نصرانيّة وفارسيّة وهنديّة وقبطيّة وغيرها. وكانت تلك الشعوب تحمل قبل الفتح الإسلاميّ ثقافات وأفكارًا عميقة الأثر في نفوسهم. وكان على المسلمين أن يشمّروا عن سواعدهم لخوض صراع فكريّ مع هؤلاء حتّى يوصلوا إليهم الإسلام. فالفتوح الإسلاميّة إنّما شرعت لهذا السبب، وكان كلّ فتح يعقبه انتشار للعلماء والدعاة حتّى يدخل الناس في دين الله أفواجًا. فخاض بعضهم غمار مجادلة أهل الكتاب الّذين كانوا ينتشرون في بلاد الشام وشمال إفريقيّة وبعض العراق، وخاض بعضهم غمار مجادلة المجوس الفارسيّين وبعضهم جادل الوثنيّين من هنود وصينيّين وغيرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت