فهرس الكتاب

الصفحة 288 من 301

إلاّ أنّ تلك الدراسة لم تكن دراسة فلسفيّة كاملة، وإنّما دراسة أفكار فلسفيّة للردّ على أهل الأديان والمذاهب، لأنّه ما كان يتسنّى للمسلمين الردّ إلاّ بعد الاطّلاع على أقوال الفلاسفة اليونانيّين لاسيّما ما يتعلّق منها بالمنطق واللاهوت. ولذلك اندفعوا إلى الإحاطة بالفرق الأجنبيّة وأقوالها وحججها. وبذلك أصبحت البلاد الإسلاميّة ساحة تعرض فيها كلّ الآراء وكلّ الديانات ويتجادل فيها. ولا شكّ أنّ الجدل يستدعي النظر والتفكير، ويثير مسائل متعدّدة تستدعي التأمّل وتحمل كلّ فريق على الأخذ بما صحّ عنده، فكان هذا الجدل والتفكير مؤثّرا إلى حدّ كبير في إيجاد أشخاص ينهجون نهجًا جديدًا في البحث والجدل والنقاش. فتكوّن جراء ذلك"علم الكلام"وصار فنًّا خاصًّا، ونشأت في البلاد الإسلاميّة بين المسلمين جماعة"المتكلّمين".

صحيح أنّ هؤلاء المتكلّمين كان تأثّرهم الأساسي هو بالقرآن،إلاّ أنّهم -وقد قرؤوا الفلسفة للدفاع عن القرآن ضدّ خصومهم- صار لهم منهج خاصّ في البحث والتفكير، يخالف منهج القرآن والحديث وأقوال الصحابة ويخالف في الوقت نفسه منهج الفلاسفة اليونانيّين في بحثهم وتقريرهم وتدليلهم.

حين ظهر علم الكلام على الساحة الثقافيّة الإسلاميّة لاقى مواجهة عنيفة من علماء المسلمين وفقهائهم. إذ إنه أثار قضايا في العقائد لم تتطرق إليها نصوص القرآن والسنّة في جملة العقائد. لذلك عارض معظم الفقهاء علم الكلام وكان حكمهم في المتكلّمين شديدًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت