فهرس الكتاب

الصفحة 39 من 301

وقد ساقت الأعراف والتقاليد المتوارثة مجموعة من المفاهيم السلوكيّة الّتي تتمحور حول الانتماء إلى الآباء والأجداد، أي بتعبير آخر حول الانتماء إلى القبيلة أو العشيرة. فالرابطة هي عصبيّة قبليّة، والولاء والانتماء السياسيّ هو للقبيلة، والكيان السياسيّ هو كيان قبليّ. والمروءة والشجاعة والشهامة والفروسيّة والنجدة -وإن باتت سمةً للجاهليّ راسخةً- إلاّ أنّ نشأتها تعود إلى الدفاع عن وجود الذات الفرديّة ثمّ القبليّة. من هنا نشأت مفاهيم العصبيّة، مثل مفهوم «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا» وفق المعنى الجاهليّ. وعنها نجمت حروب قبليّة تطاولت في الزمان والمكان، ومنها نشأت عادات كثيرة في ذلك المجتمع. فالتفاخر بالبنين إنّما منشؤه قدرة الذكر على الدفاع عن القبيلة وخوض الحروب. ووأد البنات بالمقابل مَنشَؤُه عجز الإناث عن الدفاع عن أنفسهنّ وقبيلتهنّ والخوفُ من وقوعهنّ في الأسر، ما يُلحق العار بالقبيلة وأهلها، فكان شُؤمًا على العربيّ أن يُرزق بأنثى، { وإذا بُشِّرَ أحدُهُم بالأنثى ظلَّ وجهُهُ مسوَدًّا وهو كَظيم - يتوارى من القومِ من سوءِ ما بُشِّرَ به أَيُمسِكُهُ على هَونٍ أم يدسُّهُ في التُرابِ ألا ساءَ ما يَحكمون } (1) . ثمّ إنّ مفهوم الثأر الّذي قضى بقتل العشرة بالواحد أو الحرّ بالعبد أو الذكر بالأنثى، إنّما مردّه إلى التعصّب للقبيلة والعشيرة والأسرة. وفي مجتمع يقوم على قوّة القبيلة والعشيرة والأسرة كان من الطبيعيّ أن يكون حظّ الضعفاء الّذين لا ينتمون إلى إحدى الأسر أو القبائل ذات المكانة والنفوذ أن يكونوا من المستضعفين والمقهورين أو حتّى المستعبدين بسبب عجزهم عن الوفاء بتكاليف الحياة وديونها وأعبائها. وحتّى نظام الحكم الّذي ساد تلك القبائل إنّما هو ثمرة من ثمار تلك الرابطة القبليّة. فالسلطة بيد مجلس من كبار رجال القبيلة الّذين يمثِّلون مختلف عشائرها وبطونها وهم الّذين

(1) - النحل- الآيتان 58-59

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت