في مرحلة الجهر بالدعوة هذه، حمل الرسول - صلى الله عليه وسلم - الدعوة، وأظهر الكتلة الّتي تحمل معه الدعوة سافرة. وفوق ذلك فقد كانت هذه الدعوة بذاتها تتضمّن كفاح قريش والمجتمع في مكّة لأنّها كانت تدعو إلى توحيد الله وعبادته وحده، وإلى ترك عبادة الأصنام والإقلاع عن النظام الفاسد الّذي يعيشون وفقه، فاصطدمت بقريش اصطدامًا كلّيًا، فقد سفّه الرسول - صلى الله عليه وسلم - أحلامهم، وحقّر آلهتهم وندّد بحياتهم الرخيصة، ونعى على وسائل عيشهم الظالمة. وينزل عليه القرآن فيهاجمهم ويقول لهم صراحة { إِنَّكُم وما تَعبُدُون مِن دُونِ اللهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنتُم لَها وارِدُون } (1) ، ثمّ يهاجم الربا الّذي يعيشون عليه مهاجمة عنيفة من أصوله، فيقول تعالى في سورة الروم: { وما آتَيتُم مِن رِّبا لِيَربُوَ في أَموالِ النّاسِ فَلاَ يَربُو عِندَ الله } (2) ، ويتوعّد الّذين يطفّفون الكيل والميزان، فيقول تعالى: { وَيلٌ لِلمُطَفِّفين - الّذينَ إذا اكْتالُوا على النّاسِ يَستَوفُون - وَإِذا كالُوهُم أَو وَزَنُوهُم يُخْسِرون } (3) ولهذا أخذوا يقفون في وجهه، ويؤذونه هو وأصحابه بالتعذيب تارة وبالمقاطعة أخرى، وبالدِعاوة ضدّه وضدّ دينه، غير أنّه ظلّ يهاجمهم، واستمرّ على مكافحة الآراء الباطلة، وهدم العقائد الفاسدة، والمجاهدة في سبيل نشر الدعوة. وكان يدعو إلى الإسلام بكلّ صراحة، لا يكنيّ، ولا يلوّح، ولا يلين ولا يستكين، ولا يحابي ولا يداهن، ورغم ما لاقاه من قريش من صنوف الأذى، ورغم ما يصيبه من مشقّات.
(1) 1- سورة الأنبياء - الآية 98.
(2) - سورة الروم - الآية 39
(3) - سورة المطففين - الآيات1-3