إلاّ أنّ ذلك لم يتحقّق للرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكّة، فرغم أنّ الّذين دخلوا في الإسلام من المكّيّين زاد عددهم في تلك المرحلة، إلاّ أنّهم لم يصلوا إلى الحدّ الّذي يمكن أن يقال معه إنّ العرف العامّ والرأي العامّ المكّيّ أصبح إسلاميًّا، فما زال العرف العامّ السائد هو العرف الجاهليّ، والرأي العامّ هو رأي الجاهلييّن. وقد وصل الأمر مع الرسول - صلى الله عليه وسلم - في مكّة إلى أن تجمّد المجتمع في وجهه وتحجّر بحيث لم يعد هناك أيّ تفاعل بين الدعوة وبين الناس بسبب الإرهاب الّذي مارسه صناديد قريش تجاه المسلمين وكلّ من تحدّثه نفسه بالدخول في الدين الجديد. ممّا دفع الرسول عليه الصلاة والسلام إلى البحث عن مجتمع جديد يحاول فيه نشر الإسلام لعلّه يكون بديلًا عن مكّة، نقطةً لارتكاز الدعوة تنتقل فيها من مرحلة الدعوة إلى مرحلة التطبيق العمليّ من خلال الحكم. وصار يعرض نفسه على القبائل الوافدة إلى مكّة، إلى أن أكرم الله تعالى أهلَ يثرب بأن يكونوا أهل نصرة الإسلام والرسول - صلى الله عليه وسلم -.