وجماعية الأدب الشعبي لا تعني أن نشوء أي نص من نصوصه يتم بوساطة كل أبناء الجماعة الشعبية مجتمعين. فالصورة الأولى من أي نص تظهر ـ عادة ـ بمبادرة من أحد أبناء الجماعة الشعبية الموهوبين. ولكن هذه الصورة الأولى من النص، عندما تلقى قبولًا ويتداولها سائر أبناء الجماعة الشعبية، تمر بعمليات متوالية من التعديل، بالحذف والإضافة والصقل. وهي تنتقل من راوٍ إلى آخر، ومن فئة إلى فئة، ومن جيل إلى جيل، ومن مكان إلى مكان. ولا ترجع عمليات التعديل إلى آلية النسيان أو ضعف الذاكرة البشرية عن الحفظ التام للنصوص، بقدر ما ترجع إلى فاعلية الذائقة الجماعية، وأثر القيم المشتركة ودور المصالح والرؤى الجماعية التي لاتنفك تحدث آثارها على الصورة الأولى للنصوص. ونتيجة لهذا، تتحول الصور الأولى للنصوص إلى صور جيدة مغايرة، تمثلت الوجدان الشعبي وتشربت قيم الجماعة ورؤاها. وهذه النتيجة هي أحد أسباب احتفاء باحثي الأدب الشعبي بالصور المتغيرة والروايات المتعددة للنصوص نفسها، وانشغالهم بها عن البحث عن الصورة الأولى أو النص الأم، اللهم إلا بقصد الكشف عن البعد التاريخي للنص. كما كانت هذه النتيجة أحد أسباب اختلاف نظرتهم إلى دور المؤلف، سواء كان معلومًا أو مجهولًا، وانشغالهم بدور الراوي والجمهور المشارك في أداء النص.