إن لم تقرّح أدمعي أجفاني
من بَعْدِ بُعْدِكُمُ فما أجفاني
إنسان عيني مذ تناءت داركم
ما راقه نظر إلى إنسان
مالي وللأيام شتت خطبها
شملي وخلاني بلا خلان
ما للمنازل أصبحت لا أهلها
أهلي ولا جيرانها جيراني
وتعد مرثبة الشيخ تقي الدين إسماعيل بن إبراهيم التنوخي في القرن السابع الهجري أشهر مراثي بغداد حين خربها هولاكو. يقول في آخر القصيدة:
إن القيامة في بغداد قد وجدت
وحدّها حين للإقبال إدبار
آل النبي وأهل العلم قد سُبيوا
فمن ترى بعدهم تحويه أمصار
ماكنت آمل أن أبقى وقد ذهبوا
لكن أتى دون ما أختار أقدار
وكذلك كان رثاء دمشق عندما سقطت في أيدي التتار فتعاقب على رثائها كثير من الشعراء مسجلين ذلك الحدث ومنهم الشاعر علاء الدين العزولي في قوله:
أجريت جمر الدمع من أجفاني
حزنا على الشقراء والميدان
لهفي على وادي دمشق ولطفه
وتبدل الغزلان بالثيران
واحسرتاه علي دمشق و قولها
سبحان من بالغل قد أبلاني
لهفي عليك محاسنا لهفي عليـ
ك عرائسا لهفي عليك مغاني
ولكن هذا اللون في المشرق لم يزدهر ازدهاره في الأندلس، ويعزى ذلك إلى أن طبيعة التقلبات السياسية في الأندلس كانت أشد حدة وأسرع إيقاعا، وأنها اتخذت شكل المواجهة بين النصارى والمسلمين حين تجمع الصليبيون عازمين على طرد المسلمين وإخراجهم من الأندلس.
رثاء المدن في الأندلس. كان هذا الغرض في الأندلس من أهم الأغراض الشعرية، إذ كان مواكبًا لحركة الإيقاع السياسي راصدًا لأحداثه مستبطنًا دواخله ومقومًا لاتجاهاته.
وكان محوره الأول يدور حول سلبيات المجتمع الأندلسي بسبب ما انغمس فيه الناس من حياة اللهو والترف والمجون وانصراف عن الجهاد. وأن الأمر لن يستقيم إلا برفع علم الجهاد تحت راية لا إله إلاالله. ومن هنا فالصوت الشعري لرثاء المدن في الأندلس يخالف الأصوات الشعرية الأندلسية الأخرى التي ألفها أهل الأندلس في الموشحات ووصف الطبيعة والغزل وبقية الأغراض الأخرى.