وأجمل مافي الغزل الأندلسي بجانب لطف التعبير، أن الصادق منه شديد التأثير خاصة حين يبكي الشاعر ويحن في إيقاع غير متكلف. ويمثل ابن زيدون قمة هذا الاتجاه خاصة في قصائده إلى وَلادَة بنت المستكفي، ومن أجملها قوله في نونيّته:
تكاد حين تناجيكم ضمائرنا
يقضي علينا الأسى لولا تأسينا
حالت لفقدكم أيامنا فغدت
سُودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا
ومن أشهر شعراء الغزل في الأندلس ابن زيدون وابن سهل الإسرائيلي وابن شُهَيْدِ، وإن كان كل الشعراء قد أدلوا بدلوهم في شعر الغزل.
أما شعر المدح فكان موجهًا إلى الأمراء والخلفاء والحكام. ويتناول جانبين من حياتهم: أولهما الصفات التي يخلعها الشاعر على ممدوحه من شجاعة ووفاء وكرم، والجانب الثاني انتصارات الممدوح التي هي نصر وعزٌ للإسلام والمسلمين، ثم وصف لمعاركهم الحربية.
ويتراوح أسلوب المدح بين الجزالة والسهولة، والفخامة والرقة، وفقًا لطبيعة المعاني المعبّر عنها. ولكنه بوجه عام يميل إلى التأنق في العبارة والصياغة. وقد تختلف طريقة بناء قصائد المدح بين شاعر وآخر. فبعضها كان ينهج نهج الأقدمين، فيبدأ بمقدمة طللية ونسيبٍ ووصف للرحلة ثم يتخلص إلى المدح، بينما نجد من الشعراء من يعمد إلى موضوعه مباشرة دون مقدمات. ويقدم صنف ثالث بين يدي ممدوحه شيئًا من الغزل أو وصف الطبيعة أو مجالس الخمر أو الشكوى والعتاب، وعقب ذلك ينتقل إلى المدح.
ومن أشهر شعراء الأندلس في هذا الغرض الشعري ابن حمديس وابن هانئ وابن زيدون وابن دراج القسطلي. ولا نجد من الشعراء المحترفين شاعرًا لم يعالج هذا الغرض.
يقول ابن حمديس مادحًا الأمير أبا الحسن علي بن يحيى:
تُفشي يداك سرائر الأغماد
لقطاف هام واختلاء هوادي
إلاّ على غزوٍ يبيد به العِدى
لله من غزو له وجهاد
ما صونُ دين محمد من ضَيْمِه
إلاّ بسيفك يوم كلِّ جلاد
وطلوع راياتٍ وقود جحافل
وقراع أبطال وكرِّ جياد
ويقول ابن هانئ مادحًا إبراهيم بن جعفر: