عن النّفور والمخاصمة ، ويحتمل كونه عامًا لينزجر الكل عن هذه الخصال على آكد وجه » [1] .
أما ما ورد في السنّة من التّعريض ، والاكتفاء بالبيان العام ، فكثير ، وخصوصًا ما كان في بيان تصحيح الأخطاء ، وهذا التّعريض أو البيان العام ما هو إلا نتيجة الخلق العظيم الذي اتّصف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكذلك استفادته - صلى الله عليه وسلم - من منهج القرآن - كما مرّ آنفًا - وقد استخدم النبي - صلى الله عليه وسلم - هذا الأسلوب - التّعريض والبيان العام - « لتوجيه الصحابة ، والأمة من بعدهم إلى تجنب بعض الأعمال المكروهة التي تؤدي إلى إيذاء المجتمع ، أو إلى فساد العبادة » [2] ، أو إلى غيرها من الآداب التي ينبغي التحلي بها ، ومن ذلك ما يلي:
التحذير من مخالفة أمره ونهيه ،فعَنْ أَنَسٍ ، أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - ، قَالَ: مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَرْفَعُونَ أَبْصَارَهُمْ إِلَى السَّمَاءِ فِي صَلاَتِهِمْ ، فَاشْتَدَّ قَوْلُهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى قَالَ: لَيَنْتَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ ، أَوْ لَتُخْطَفَنَّ أَبْصَارُهُمْ. [3]
وعَنْ عَائِشَةَ ، أَنَّهَا قَالَتْ: جَاءَتْنِي بَرِيرَةُ فَقَالَتْ: إِنِّي كَاتَبْتُ أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُوقِيَّةٌ فَأَعِينِينِي ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: إِنْ أَحَبَّ أَهْلُكِ أَنْ أَعُدَّهَا لَهُمْ عَدَدْتُهَا لَهُمْ ، وَيَكُونُ لِي وَلاَؤُكِ ، فَذَهَبَتْ بَرِيرَةُ إِلَى أَهْلِهَا ، فَقَالَتْ لَهُمْ ذَلِكَ ، فَأَبَوْا عَلَيْهَا ، فَجَاءَتْ مِنْ عِنْدِ أَهْلِهَا وَرَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - جَالِسٌ ، فَقَالَتْ: إِنِّي قَدْ عَرَضْتُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَبَوْا إِلاَّ أَنْ يَكُونَ الْوَلاَءُ لَهُمْ ، فَسَمِعَ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ، فَسَأَلَهَا ، فَأَخْبَرْتُهُ عَائِشَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: خُذِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ ، فَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ: ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فِي النَّاسِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ: أَمَا بَعْدُ ، مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللهِ ، مَا كَانَ مِنْ شَرْطٍ لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَإِنْ كَانَ مِائَةُ شَرْطٍ ، قَضَاءُ اللهِ أَحَقُّ ، وَشَرْطُ اللهِ أَوْثَقُ ، وَإِنَّمَا الْوَلاَءُ لِمَنْ أَعْتَقَ." [4] "
(1) - فيض القدير: محمد المناوي 1 / 464 .
(2) - التربية بالحوار: النحلاوي ص 123 .
(3) - صحيح البخارى- المكنز - (750 ) وصحيح ابن حبان - (6 / 61) (2284)
(4) - صحيح ابن حبان - (10 / 166) (4325) وصحيح البخارى- المكنز - (2168 )
قَالَ أَبُو حَاتِمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - لِعَائِشَةَ: اشْتَرِطِي لَهُمُ الْوَلاَءَ لَفْظَةُ أَمْرٍ مُرَادُهَا نَفْيُ جَوَازِ اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ الْفِعْلِ لَوْ فَعَلَتْهُ لاَ الأَمْرُ بِهِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - فِي عَقِبِ هَذَا الْقَوْلِ قَامَ خَطِيبًا لِلنَّاسِ ، وَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ الْوَلاَءَ لِمَنْ أَعْتَقَ لاَ لِمَنِ اشْتَرَطَ لَهُ ، وَنَظِيرُ هَذِهِ اللفظةِ فِي السُّنَنِ قَوْلُهُ - صلى الله عليه وسلم - لِبَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ النَّحْلِ: أَشْهِدْ عَلَى هَذَا غَيْرِي أَرَادَ بِهِ الإِعْلاَمَ أَنَّكَ لَوْ فَعَلْتَ هَذَا الْفِعْلَ لَمْ يُجَزْ لأَنَّهُ جَوْرٌ ، وَلَوْ جَازَ شَهَادَةٌ غَيْرَهُ لَجَازَتْ شَهَادَتَهُ ، وَلَمْ يَكُنْ جَوْرًا.